HIS EXCELLENCY MOHAMMED AHMED KHALIFA AL SUWAIDI - ELECTRONIC VILLAGE - Spreading Knowledge
Arabic    

التعليم في عالمنا العربي


2017-10-15
اعرض في فيس بوك
Category : all

 
 
لدي قناعة ثابتة أن التعليم في عالمنا العربي عانى، وما زال يعيش معضلات حقيقية، وأن التحاقنا بموكب الحضارة يعتمد بالدرجة الأولى على إصلاح هذا الخلل، والتغلُّب عليه. أساس المشكلة يبدأ في إدراكنا لمقولة أؤمن بها ، وهي: أعطِني مدرساً جيداً وخذ مني طلاباً نجباء وعقولاً متفتحة، ومجتمعاً متقدماً. ولو وسَّعنا دائرة الرؤيا قليلاً . للاحظنا أنه في كل دولة هناك مدارس ناجحة وأخرى متوسطة وثالثة ضعيفة، وهناك عناصر عدة تتدخل في رقيِّها أو تراجعها، منها تقديم عامل الربح المادي على الإخلاص المهني، أو الخضوع للروتين التقليدي التعليمي المتَّبع دون إدخال أي تعديل أو تغيير بالنمط السائد. لكن القضية الرئيسة تظل أن التعليم يشكو من تحديات متفاقمة تتزايد وتشتد في سياق الوتيرة المتسارعة لثورة التكنولوجيا وتأجج لهيبها، فيما لا تزال كثير من المؤسسات التعليمية تشتغل كما لو كنَّا نحيا في ظل قوانين تعليمية أفرزتها الثورة الصناعية، وشتَّان بين هذه وتلك. إنه التسارع المعرفي الذي يربك المؤسسة التعليمية، والذي يبطئ همتها طالما لم تلتقط أهمية اللحظة التاريخية، واستسلمت للرتابة، وظلت في حال اجتماع دائم قائم على الانتظار والتأمل.
وإذا أردنا أن نكون أكثر وضوحاً، لأخذنا أمثلة حيَّة من التاريخ المعاصر، إذ إنه حين استطاع الاتحاد السوفياتي أن يرسل يوري غاغارين ليدور حول الكرة الأرضية كأول رائد من رواد الفضاء في العالم في ربيع العام 1961. سارع الرئيس الأمريكي جون كينيدي إلى إصدار تعليماته بإدخال إصلاحات جذرية على المناهج الأميركية في التعليم، وفي غضون عقد من الزمن هبط الإمريكان على القمر عام 1969.
إذن مشكلتنا هي المناهج التعليمية، إضافة إلى المدرِّس الذي إذا كان مؤهَّلاً بمستوى جيد ومهيَّأً بكفاءة عالية، فإنه يساهم بتخريج جيل قادر على لعب دور رئيس في بناء مجتمعات متطورة وناهضة. إن هذه المزايا التي يحظي بها الأستاذ الياباني الذي يفوق راتبه بعض الوزراء في اليابان الجديدة التي بعثت من تحت الرماد بعد الحرب العالمية الثانية، كان لها التأثير الكبير في تحويل اليابان خلال فترة قصيرة زمنيا إلى عملاق صناعي واقتصادي فاعل في الساحة العالمية. وهكذا كان للمدرس فضلٌ كبير في انطلاقتها وتحقيق ما وصلت إليه.
إنه سباقٌ مذهل، تجري في مضماره مؤسسات عملاقة، تولد واحدة وتأفل أخرى بينما تطغى التكنولوجيا وتهب عواصفها ناثرة شظاياها وآثارها في كل اتجاه وبقعة من هذا الكون، وهكذا وجدنا الفيسبوك مثلاً يتقدم على ما سبقه، فلم يعد إرسال Email أو استقباله دليلاً على الدخول في دهاليز التكنولوجيا حيث نرى أن جهازا محمولا بحجم كف اليد يحتوي على فك عشرات الآلاف من الألغاز والطلاسم الغامضة والمجهولة، وإجراء تواصل صوتي وبصري بين شتى أرجاء المعمورة. ومن المؤسف أن المؤسسات التعليمية، خصوصاً في البلدان غير الصناعية لم تستطع حتى الآن استيعاب وفهم هذه الوتيرة المتسارعة من دفق التكنولوجيا أو اللحاق بها.
يبدو لي أن إحدى المشاكل الحقيقية هي في "المنتج" وجدوى تشجيع الطلاب على دراسة ما لا يستطيع استيعابه سوق العمل، وهو ما يوقع الأهالي والمجتمع في مآزق يصعب تجاوزها، وتؤدي إلى أمراض اجتماعية كالبطالة أو الفراغ أو عدم الاستفادة من طاقات تصير عبئاً على المجتمع. وقد يقود ذلك، في غالب الأحيان، إلى أوخم العواقب كانتشار المخدرات أو الاتجاه إلى التطرُّف الديني في أوساط الناشئين.
أنظر بأسى إلى مبالغ طائلة يدفعها أولياء هؤلاء الطلاب الذين يحصلون على علامات ممتازة، لكنهم يجلسون عاطلين في بيوتهم نتيجة مفهوم خاطئ خاضع للمباهاة أو الانتساب لجامعة كبيرة، ثم لا يجدون عملاً مناسباً ، فيما تجد شريحة أخرى أكملت دراستها في معاهد أو مدارس حرفية فرصة أكبر للعمل وتنخرط إيجاباً في سوق العمل. أكثر من سؤال طرحته على نفسي، لماذا يتقاضى لاعبو كرة القدم أو كرة السلة الأجر الأكبر في العالم؟ ولماذا تحصد بعض البلدان، الميداليات الأكثر، وتثابر على وقوفها في الصفوف الأمامية في الدورات العالمية؟ وكذا، لماذا يبرز فنانون عالميون في مجال الموسيقى والشطرنج والأدب، فيما ندرةٌ من بلادنا قادرة على انتزاع هذه الشهرة العالمية؟ وحضرني في معرض الإجابة عن هذه الأسئلة ما حدث معي أثناء دراستي في الولايات المتحدة الأميركية حين دخل الأستاذ المحاضر علينا، قائلاً لنا بلهجة واثقة: جئنا بكم إلى هذه الجامعة لتدخلوا عبر بوابتها إلى هذه القاعة الهادئة (المكتبة) لتتقنوا المطالعة والدرس وتقدروا على تقديم بحث علمي في نهاية الأمر، فأين تقع حصص المطالعة، الرياضة، الموسيقى، من سلّم الأولويات في منطقتنا؟!
مُدرِّس بائسٌ يساوي طالباً بائساً بالضرورة، فما بالك بأساتذة لا يتمتعون بأجر كافٍ أو حصانة معنوية؟ وهم يُعلِّمون جيلاً يحظى بامتيازات أكبر، فيشعر أولئك الأساتذة بالدونية والمتلقون بالاستعلاء، ويكون الشباب هم الضحايا في نهاية الأمر. لن نستطيع إذن تحسين التعليم إلا بمنظومةٍ كاملة لها عدة ركائز: مناهج حديثة مستجيبة لوقائع عصر جديد، أستاذ محمي مادياً ومعنوياً، متمتع بأعلى حدود المعرفة، مواكب لكل جديد، إضافة إلى مدارس وجامعات راقية شكلاً ومضموناً، ومواد دراسية وحصص تتفق وحاجات سوق العمل لخريجين جدد. هذا ما يجعل التعليم ركناً أساسياً من أركان تنمية الدول وتحديث بنيتها. بدون ذلك يصعب ردم الفجوة بين دول متقدمة وأخرى لا زالت تلهث لاستيعاب الثورة التي صنعتها التكنولوجيا
الشاعر الإماراتي
#محمد_أحمد_السويدي متحدثاً عن التعليم المشكلة والأولويات .. جزء من حوار مطول أجرته ونشرته مجلة قاف.