محمد أحمد خليفة السويدي - القرية الإلكترونية - Spreading Knowledge - محمد أحمد السويدي - محمد السويدي
Arabic    

رحلة البحث عن شجرة عود الأجار (العود الهندي) (1)


2018-01-26
اعرض في فيس بوك
التصنيف : مشروعنا أدب الرحلة

 
 
رحلة البحث عن شجرة عود الأجار (العود الهندي) (1)
 
في إطار مشروع ((ارتياد الآفاق))، وبرعاية الشاعر محمد أحمد السويدي، ستصدر قريباً سلسلة من الرحلات الاستكشافية والثقافية الحديثة، ومن هذه الرحلات (( البحث عن شجرة عود الأجار )) في الهند التي يستخرج منها دهن العود، قامت بهذه المهمة بعثة استكشافية مؤلفة من الدكتور سعدي الحديثي باحثاً تاريخياً، والدكتور عبد الناصر الجفري باحثاً علمياً، وراجا بالاكرشنان كاتباً ومصوراً، يساعده في التصوير محيي الدين كويا. ونعرض في ما يلي موجزاً عن وقائع الرحلة بقلم راجا بالاكرشنان.
 
كان علينا أن نتخطى الكثير من العوائق التي واجهتنا ونحن نبحث عن عود الأجار، وحاولنا الحصول على إجابات للأسئلة المتعلقة بأسباب ارتفاع أسعار عود الأجار والدهن المستخرج منه، وتعدد أساليب الغش في هذه التجارة، والأنواع المختلفة للعود، وكيفية الحصول على أجود نوعياته، وغير ذلك من الأسئلة التي لم تكن إجاباتها معروفة في السابق. كانت البداية في 20 فبراير/ شباط 2000 م، عندما توجهت البعثة إلى كلكتا في طائرة الثانية صباحاً التي أقلعت بنا من مطار دبي. لم يكن لدينا عندئذ أي معلومات سوى أننا بعد الوصول إلى كلكتا سوف نذهب إلى مدينة جواهاتي. ولم يكن لدينا أي فكرة عن المكان الذي سنذهب إليه بعد ذلك. وفي الساعة 9:30 من صباح اليوم التالي وصلنا إلى كلكتا. وفي المطار طلب مني مسؤول الجمارك كتابة إقرار جمركي أتعهد فيه بإخراج الأشياء التي أحضرناها من دولة الإمارات العربية المتحدة وذلك عند مغادرتنا الهند. بعد أن انتهينا من الإجراءات اكتشفنا أن الطائرة التي كان من المفترض أن تقلنا إلى جواهاتي قد غادرت، ولم يكن أمامنا بديل سوى الحجز على طائرة اليوم التالي، والبحث عن فندق نمضي فيه ليلتنا في كلكتا. أمضينا ذلك اليوم في الفندق، وفي المساء خططنا للخروج لمشاهدة مدينة المرح (كما يطلقون على كلكتا). استأجرنا سيارة تكسي وطلبنا من السائق أنا يأخذنا إلى بعض الأماكن، وعندها شاهدنا جسر هورا الشهير. وبعد ساعتين عدنا أدراجنا بعد تناول طعام العشاء في الطريق، وكان سائق التكسي في هذه المرة طيباً، وساعدنا كثيراً دون المطالبة بزيادة الأجر. وكان عليّ انتظار المصور الذي اتفقنا معه، وهو من جنوب الهند، حتى الثانية صباحاً، إلا أنه لم يأت، ولم يكلف نفسه بالاعتذار، وحتى لم يتصل بنا. وفي الحادية عشرة من صباح اليوم التالي، كنا في الطائرة المتجة إلى مدينة جواهاتي، وكنا حتى تلك اللحظة لا نعرف ماهية الخطوة التالية. وعندما وصلنا إلى مدينة جواهاتي وكانت درجة الحرارة قرابة (20 درجة مئوية)، ودخلنا إلى المطار بحثاً عن شخص من عائلة أجمل، وأخيراً وجدناه. كان الرجل يتدثر بالزي الخاص بهذه العائلة، وقد شعرنا بسعادة غامرة لوجود من يستقبلنا. ثم غادرنا المطار حيث كان السيد عبد الكافي في انتظارنا بالخارج، وحتى تلك اللحظة لم يكن المصور قد وصل بعد، مما اضطرنا للبحث عنه، وأخيراً وجدناه جالساً في بهو المطار. توجهنا إلى مدينة جواهاتي حيث تناولنا طعام الغداء، ثم استقلينا سيارتين إلى مكان يسمى هوجاي وكانت رحلة شاقة استغرقت قرابة خمس ساعات في الطريق حتى وصلنا إليها. 
في الطريق توقفنا لتناول القهوة في مكان يسمى ديسبر (حيث تبدأ المنطقة الجبلية) وهو يقع على حدود مجالاي. وبعد مرور ساعتين، توقفنا في قرية صغيرة لنحتسي قليلاً من شراب جوز الهند السائغ المذاق. كان الليل قد بدأ يرخي سدوله على القرية عندما غادرناها، ومن هناك اجتزنا مدينة تدعى ناجاون حيث رفض السائق التوقف وأراد تجاوز المدينة في أسرع وقت ممكن خوفاً من قطاع الطرق. قال لنا السائق إننا قد نصادف موقفاً صعباً للغاية إذا ما عرف "الإرهابيون" أن المسافرين من الأجانب. ولذلك عشنا في حالة من الخوف ونحن نعبر شوارع المدينة، (كان هذا هو المكان الذي اغتيل فيه وزير الغابات في نفس يوم مرورنا بهذه المدينة، عائدين من هوجاي إلى جواهاتي بعد أن انتهينا من التصوير، كما تم أيضاً إحراق المصفاة التي التقطت صورة لها). 
وأخيراً، وصلنا إلى قرية بها حوانيت صغيرة، معظم أهلها من المسلمين المحافظين الذين يعملون بشكل رئيسي في صناعة عود ودهن الأجار. كان الأثرياء في هذه القرية يعدون على أصابع اليد، في حين تعمل الأغلبية العظمى في صناعة الأجر بنظام الأجر اليومي. وكان معظم القادرين من الأهالي يمتلكون وحدات تقطير لاستخراج دهن الأجار من الأشجار. ووحدات التقطير هذه تشكل نوعاً من الصناعات الصغيرة التي تدار بواسطة أصحابها، ويتم تأجيرها في بعض الأحيان للآخرين ممن يعثرون على أنواع جيدة من دهن الأجار، ولا يملكون وحدات تقطير خاصة بهم. 
في ضيافة أجمل
ثم تركنا الشارع الرئيسي في القرية، واتجهنا إلى درب موحل مملوء بالتعرّجات والمطبات. وبعد قرابة عشر دقائق دخلنا إلى منزل كبير (خاص بعائلة أجمل). دهشنا كثيراً لوجود منزل بهذا الجمال والروعة في قرية صغيرة مثل هذه، يعيش معظم أهلها على الكفاف، ويحصلون على لقمة عيشهم بشق الأنفس. كنا في غاية التعب والإرهاق، وكل ما نريده هو أن ننال قسطاً من الراحة والنوم، وسرعان ما وفر لنا أهل المنزل غرفاً في الطابق الأول من المبنى. مابين الساعة الواحدة والثانية صباحاً تناهى إلى سمعي صفير شخص ما، وعندما استفسرت عن هذا الصفير فيما بعد أخبروني أنه لأغراض أمنية. بعد ليلة قلقة، استيقظت على صوت صياح الديكة وتغريد الطيور، في الصباح الباكر تناولنا جميعاً طعام الإفطار وتهيأنا للخروج. كنت قد أمضيت الليل بأكمله أفكر في كيفية تصوير الفلم، وليس لدي نسخة من السيناريو، وإن كانت الفكرة الرئيسية تدور حول موطن شجرة العود وما سنلاقيه في رحلة البحث عنه. والأدهى من ذلك أنني لم أكن أعرف شيئاً عن عود الأجار، أو الدهن، أو حتى شكل الأشجار التي يستخرج منها. كنا جميعاً نواجه تلك المشكلة. لذلك قررت أن أقوم بتصوير ما سيسمح لنا الأهالي هناك بمشاهدته على أمل أن أقوم بعد ذلك بتجميع قصة الفيلم كاملة، وبالتشاور مع سائر أعضاء البعثة. 
كان أول ما أردنا رؤيته هو شجرة من أشجار الأجار، فاتجهنا بصحبة بعض الأهالي في سيارتين إلى مزرعة عائلة أجمل، واستغرق المشوار زهاء ساعة حتى وصلنا إلى هناك. كان الأهالي متوجسين خيفة بعض الشيء من اصطحاب الدكتور ناصر والدكتور سعدي لأنهما أجنبيان (يرجع سبب ذلك إلى خوفهم من الفضوليين والمتطفلين، واعتقادهم أن من يبدي اهتماماً بالأجار لابد أن يكون ثرياً يسعى إلى الدخول في هذا المجال، كما أن بعضهم يفضل المحافظة على سرية المهنة وعدم البوح بأي معلومات عنها للآخرين ممن يبدون اهتماماً زائداً بالأمر).
دخلنا إلى مزرعة الأجار ووجدنا أشجاراً تتراوح أعمارها ما بين (10-13) سنة، وتملكتنا الدهشة عندما رأينا شجر الأجار ينمو جنباً إلى جنب مع خشب الصندل. 
ويفسر الأهالي هذا الأمر بأن كلتا الشجرتين تنموان بنفس الطريقة وفي نفس الظروف. والفرق الوحيد بينهما هو أن شجر الأجار يجب أن يصاب بعدوى معينة حتى يمكن الحصول منه على الدهن أو العود، في حين أن شجر الصندل لا يحتاج لشيء من ذلك. وقد قام الأهالي هنا بزراعة الصندل على سبيل التجربة، لانه ينمو عادة في الولايات الجنوبية الهندية مثل كارناتاكا وكيرالا وهو ملك لحكومات هاتين الولايتين، ولا يسمح بزراعته أو تملكه من قبل الأفراد. ولذلك تقوم الحكومة بزراعته في مزارع داخل الغابات، ولكن أشخاصاً مثل فيرا بان (مهرب يقوم بالاستيلاء على الخشب وبيعه بأسعار تقل كثيراً عن الأسعار التي تعرضها الحكومة). وعليه فإن خشب الصندل وخشب الأجار يعتبران من السلع التي لا يسمح للأفراد بامتلاكها، ومن هنا تبدأ عمليات التهريب والرشى وكافة المعاملات غير المشروعة.
شاهدنا في المزرعة بعض النباتات المصابة بالعدوى، وإن كنا لم نشاهد الحشرة نفسها إلا أننا تعرفنا على طريقة عملها وكيف تقوم بالتغذي على لحاء الشجرة، والدخول في جذعها محاولة إصابة خلاياها بالعدوى، وهي عملية طبيعية لأن الحشرة تحتاج إلى طعام كي تعيش. وهذا الطعام تحصل عليه من الأشجار، أما إذا تصادف أن كانت هذه الشجرة هي شجرة الأجار فإن المستفيد هنا هو الإنسان الذي سيصبح عندئذ ثرياً وينعم بحياة مترفة. لذلك نجد الكثير من الناس يتجولون في الغابة بحثاً عن الأشجار المصابة بالعدوى وخصوصاً تلك التي يزيد عمرها على (50) عاماً. أما الأشجار المصابة بالعدوى التي يقل عمرها عن ذلك، فيتم الاستفادة منها باستخراج دهن الأجار للحصول على خشب العود ذي الرائحة الزكية والذي يمكن بيعه وتحقيق ثروة طائلة من ورائه، وإن كان ذلك لا يتحقق إلا مقابل ثمن باهظ وهو التضحية بالحياة الأسرية، بل وإمكانية التضحية بالحياة ذاتها. ولعل هذا هو أحد أسباب ارتفاع تكلفة العود.
أسرار المهنة
في المزرعة، تحدث إلينا الكثيرون، ولكن إجاباتهم اختلفت عن بعضها البعض. وأردنا معرفة المزيد من المعلومات، إلا أن الأهالي لم تكن لديهم الرغبة في الإجابة على التساؤلات العديدة التي كانت تدور في أذهاننا. ولربما يرجع السبب في ذلك إلى رغبتهم في الاحتفاظ بأسرار المهنة، وعدم إطلاع الغرباء عليها. ولعلها المرة الأولى في التاريخ التي يتم فيها تدوين رحلة مصورة وإعداد فيلم وثائقي عن هذا الخشب الثمين، يُعرِّف الناس بأشجار الأجار وخشب العود ودهن العود. وقد استمر هذا الحذر المتوجس من الأهالي لأيام قليلة، لكنه تغير عندما علموا أن الغرض من هذا الفيلم الوثائقي هو غرض ثقافي نبيل، وبأنه لن يعرض للمشاهدة في الهند. وكان التجار متخوفين من احتمال تعريضهم لمشاكل مع السلطات الهندية، إذا ما تمت طباعة الفيلم وعرضه هناك. 
قمنا بتصوير الفلم وحصلنا على بعض المعلومات حول الجزء المصاب بالعدوى من الشجرة. تقع المزرعة التي استمتعنا بزيارتها وجرى فيها التصوير في غابة ترقد مع سفح الجبل. وأردنا الذهاب إلى تلك الغابة علنا نستطيع الحصول على معلومات مهمة ومفيدة وربما أيضاً مثيرة، إلا أن الأهالي لم يسمحوا لنا بذلك متعللين بالأسباب الأمنية، ونتيجة لإصرارهم على موقفهم ذهبنا لمشاهدة إحدى أشجار الأجار التي يبلغ عمرها (20) عاماً والتي لم تكن مصابة بالعدوى بشكل كبير.
عدنا إلى دار الضيافة، وتناولنا طعام الغداء في وقت متأخر، لانشغالنا بالتخطيط لزيارة قسم البحث والتطوير التابع لعائلة أجمل وهو يبعد مسافة (10) دقائق بالسيارة من دار الضيافة. كنا نهدف من هذه الزيارة إلى مقابلة الدكتور/منير الدين الذي يعمل في مجال طب الأعشاب وشجر الأجار، الذي قدم لنا وصفاً شاملاً عن المناطق التي يوجد بها شجر الأجار، وأوضح لنا الأسباب التي ميزت الأجار الهندي وجعلته أفضل الأنواع على الإطلاق.
تحدث إلينا الدكتور منير الدين بإسهاب عن أنواع أشجار الأجار، موضحاً أن هناك ثلاثة أنواع رئيسة هي: أكويلاريا أجاليسا، وأكويلاريا مالاكانسيس وأكويلاريا كاسَنَا، وبين لنا خصائص ومزايا كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة. وتحدث أيضاً عن البذور، وعن نمو أشجار الأجار، وعن محاولات لإصابة الأشجار بالعدوى آلياً (وإن كان هذا الأسلوب لم يحقق نجاحاً حتى الآن). كما شرح لنا كيف أن لحاء شجر الأجار كان يستعمل كأوراق للكتابة، ويستخدم أيضاً لمساعدة نبات الفانيليا على النمو. وهناك نوع آخر من الأشجار يحقق أرباحاً وفيرة وهو شجر التيك الذي يستخدم في صناعة الأبواب والنوافذ وبناء المنازل، وهو يتواجد بوفرة في ولاية أسام نظراً لملاءمة مناخها الذي يجعل الشجرة تنمو نمواً طبيعياً.
خصصت عائلة أجمل جزءاً من أرباحها الطائلة لبناء مستشفى لصالح الفقراء والمحتاجين. وعندما قمنا بتصوير المستشفى لم يمانعوا في ذلك على أساس أنه قد بني لغرض نبيل، ويحقق لهم شهرة تساهم في تخليد اسمهم. وبعد ذلك ذهبنا إلى وحدة تقطير يتم فيها استخراج دهن الأجار. وهناك قابلنا السيد زاهد أحمد الذي تفضل مشكوراً بتقديم شرح مفصل عن دهن العود، ومتى بدأ بالعمل في هذا المجال، ولم نصور العملية بكاملها على أساس أننا سوف نستكمل باقي التصوير في اليوم التالي. كنا قد خططنا في الليلة السابقة للذهاب صباحاً لمصنع عائلة أجمل لتصوير عملية تصنيع دهن الأجار بصورة كاملة، إلا أننا في الصباح، تلقينا رسالة تفيد بأن أحد العاملين في المصنع قد توفي نتيجة لنوبة قلبية، مما اضطرنا لتأجيل الأمر إلى اليوم التالي. (يتبع الجزء الثاني)

    رحلة البحث عن شجرة عود الأجار (العود الهندي) (1)   في إطار مشروع ((ارتياد الآفاق))، وبرعاية الشاعر محمد أحمد السويدي، ستصدر قريباً سلسلة من الرحلات الاستكشافية والثقافية الحديثة، ومن هذه الرحلات (( البحث عن شجرة عود الأجار )) في الهند التي يستخرج منها دهن العود، قامت بهذه المهمة بعثة استكشافية مؤلفة من الدكتور سعدي الحديثي باحثاً تاريخياً، والدكتور عبد الناصر الجفري باحثاً علمياً، وراجا بالاكرشنان كاتباً ومصوراً، يساعده في التصوير محيي الدين كويا. ونعرض في ما يلي موجزاً عن وقائع الرحلة بقلم راجا بالاكرشنان.   كان علينا أن نتخطى الكثير من العوائق التي واجهتنا ونحن نبحث عن عود الأجار، وحاولنا الحصول على إجابات للأسئلة المتعلقة بأسباب ارتفاع أسعار عود الأجار والدهن المستخرج منه، وتعدد أساليب الغش في هذه التجارة، والأنواع المختلفة للعود، وكيفية الحصول على أجود نوعياته، وغير ذلك من الأسئلة التي لم تكن إجاباتها معروفة في السابق. كانت البداية في 20 فبراير/ شباط 2000 م، عندما توجهت البعثة إلى كلكتا في طائرة الثانية صباحاً التي أقلعت بنا من مطار دبي. لم يكن لدينا عندئذ أي معلومات سوى أننا بعد الوصول إلى كلكتا سوف نذهب إلى مدينة جواهاتي. ولم يكن لدينا أي فكرة عن المكان الذي سنذهب إليه بعد ذلك. وفي الساعة 9:30 من صباح اليوم التالي وصلنا إلى كلكتا. وفي المطار طلب مني مسؤول الجمارك كتابة إقرار جمركي أتعهد فيه بإخراج الأشياء التي أحضرناها من دولة الإمارات العربية المتحدة وذلك عند مغادرتنا الهند. بعد أن انتهينا من الإجراءات اكتشفنا أن الطائرة التي كان من المفترض أن تقلنا إلى جواهاتي قد غادرت، ولم يكن أمامنا بديل سوى الحجز على طائرة اليوم التالي، والبحث عن فندق نمضي فيه ليلتنا في كلكتا. أمضينا ذلك اليوم في الفندق، وفي المساء خططنا للخروج لمشاهدة مدينة المرح (كما يطلقون على كلكتا). استأجرنا سيارة تكسي وطلبنا من السائق أنا يأخذنا إلى بعض الأماكن، وعندها شاهدنا جسر هورا الشهير. وبعد ساعتين عدنا أدراجنا بعد تناول طعام العشاء في الطريق، وكان سائق التكسي في هذه المرة طيباً، وساعدنا كثيراً دون المطالبة بزيادة الأجر. وكان عليّ انتظار المصور الذي اتفقنا معه، وهو من جنوب الهند، حتى الثانية صباحاً، إلا أنه لم يأت، ولم يكلف نفسه بالاعتذار، وحتى لم يتصل بنا. وفي الحادية عشرة من صباح اليوم التالي، كنا في الطائرة المتجة إلى مدينة جواهاتي، وكنا حتى تلك اللحظة لا نعرف ماهية الخطوة التالية. وعندما وصلنا إلى مدينة جواهاتي وكانت درجة الحرارة قرابة (20 درجة مئوية)، ودخلنا إلى المطار بحثاً عن شخص من عائلة أجمل، وأخيراً وجدناه. كان الرجل يتدثر بالزي الخاص بهذه العائلة، وقد شعرنا بسعادة غامرة لوجود من يستقبلنا. ثم غادرنا المطار حيث كان السيد عبد الكافي في انتظارنا بالخارج، وحتى تلك اللحظة لم يكن المصور قد وصل بعد، مما اضطرنا للبحث عنه، وأخيراً وجدناه جالساً في بهو المطار. توجهنا إلى مدينة جواهاتي حيث تناولنا طعام الغداء، ثم استقلينا سيارتين إلى مكان يسمى هوجاي وكانت رحلة شاقة استغرقت قرابة خمس ساعات في الطريق حتى وصلنا إليها.  في الطريق توقفنا لتناول القهوة في مكان يسمى ديسبر (حيث تبدأ المنطقة الجبلية) وهو يقع على حدود مجالاي. وبعد مرور ساعتين، توقفنا في قرية صغيرة لنحتسي قليلاً من شراب جوز الهند السائغ المذاق. كان الليل قد بدأ يرخي سدوله على القرية عندما غادرناها، ومن هناك اجتزنا مدينة تدعى ناجاون حيث رفض السائق التوقف وأراد تجاوز المدينة في أسرع وقت ممكن خوفاً من قطاع الطرق. قال لنا السائق إننا قد نصادف موقفاً صعباً للغاية إذا ما عرف "الإرهابيون" أن المسافرين من الأجانب. ولذلك عشنا في حالة من الخوف ونحن نعبر شوارع المدينة، (كان هذا هو المكان الذي اغتيل فيه وزير الغابات في نفس يوم مرورنا بهذه المدينة، عائدين من هوجاي إلى جواهاتي بعد أن انتهينا من التصوير، كما تم أيضاً إحراق المصفاة التي التقطت صورة لها).  وأخيراً، وصلنا إلى قرية بها حوانيت صغيرة، معظم أهلها من المسلمين المحافظين الذين يعملون بشكل رئيسي في صناعة عود ودهن الأجار. كان الأثرياء في هذه القرية يعدون على أصابع اليد، في حين تعمل الأغلبية العظمى في صناعة الأجر بنظام الأجر اليومي. وكان معظم القادرين من الأهالي يمتلكون وحدات تقطير لاستخراج دهن الأجار من الأشجار. ووحدات التقطير هذه تشكل نوعاً من الصناعات الصغيرة التي تدار بواسطة أصحابها، ويتم تأجيرها في بعض الأحيان للآخرين ممن يعثرون على أنواع جيدة من دهن الأجار، ولا يملكون وحدات تقطير خاصة بهم.  في ضيافة أجمل ثم تركنا الشارع الرئيسي في القرية، واتجهنا إلى درب موحل مملوء بالتعرّجات والمطبات. وبعد قرابة عشر دقائق دخلنا إلى منزل كبير (خاص بعائلة أجمل). دهشنا كثيراً لوجود منزل بهذا الجمال والروعة في قرية صغيرة مثل هذه، يعيش معظم أهلها على الكفاف، ويحصلون على لقمة عيشهم بشق الأنفس. كنا في غاية التعب والإرهاق، وكل ما نريده هو أن ننال قسطاً من الراحة والنوم، وسرعان ما وفر لنا أهل المنزل غرفاً في الطابق الأول من المبنى. مابين الساعة الواحدة والثانية صباحاً تناهى إلى سمعي صفير شخص ما، وعندما استفسرت عن هذا الصفير فيما بعد أخبروني أنه لأغراض أمنية. بعد ليلة قلقة، استيقظت على صوت صياح الديكة وتغريد الطيور، في الصباح الباكر تناولنا جميعاً طعام الإفطار وتهيأنا للخروج. كنت قد أمضيت الليل بأكمله أفكر في كيفية تصوير الفلم، وليس لدي نسخة من السيناريو، وإن كانت الفكرة الرئيسية تدور حول موطن شجرة العود وما سنلاقيه في رحلة البحث عنه. والأدهى من ذلك أنني لم أكن أعرف شيئاً عن عود الأجار، أو الدهن، أو حتى شكل الأشجار التي يستخرج منها. كنا جميعاً نواجه تلك المشكلة. لذلك قررت أن أقوم بتصوير ما سيسمح لنا الأهالي هناك بمشاهدته على أمل أن أقوم بعد ذلك بتجميع قصة الفيلم كاملة، وبالتشاور مع سائر أعضاء البعثة.  كان أول ما أردنا رؤيته هو شجرة من أشجار الأجار، فاتجهنا بصحبة بعض الأهالي في سيارتين إلى مزرعة عائلة أجمل، واستغرق المشوار زهاء ساعة حتى وصلنا إلى هناك. كان الأهالي متوجسين خيفة بعض الشيء من اصطحاب الدكتور ناصر والدكتور سعدي لأنهما أجنبيان (يرجع سبب ذلك إلى خوفهم من الفضوليين والمتطفلين، واعتقادهم أن من يبدي اهتماماً بالأجار لابد أن يكون ثرياً يسعى إلى الدخول في هذا المجال، كما أن بعضهم يفضل المحافظة على سرية المهنة وعدم البوح بأي معلومات عنها للآخرين ممن يبدون اهتماماً زائداً بالأمر). دخلنا إلى مزرعة الأجار ووجدنا أشجاراً تتراوح أعمارها ما بين (10-13) سنة، وتملكتنا الدهشة عندما رأينا شجر الأجار ينمو جنباً إلى جنب مع خشب الصندل.  ويفسر الأهالي هذا الأمر بأن كلتا الشجرتين تنموان بنفس الطريقة وفي نفس الظروف. والفرق الوحيد بينهما هو أن شجر الأجار يجب أن يصاب بعدوى معينة حتى يمكن الحصول منه على الدهن أو العود، في حين أن شجر الصندل لا يحتاج لشيء من ذلك. وقد قام الأهالي هنا بزراعة الصندل على سبيل التجربة، لانه ينمو عادة في الولايات الجنوبية الهندية مثل كارناتاكا وكيرالا وهو ملك لحكومات هاتين الولايتين، ولا يسمح بزراعته أو تملكه من قبل الأفراد. ولذلك تقوم الحكومة بزراعته في مزارع داخل الغابات، ولكن أشخاصاً مثل فيرا بان (مهرب يقوم بالاستيلاء على الخشب وبيعه بأسعار تقل كثيراً عن الأسعار التي تعرضها الحكومة). وعليه فإن خشب الصندل وخشب الأجار يعتبران من السلع التي لا يسمح للأفراد بامتلاكها، ومن هنا تبدأ عمليات التهريب والرشى وكافة المعاملات غير المشروعة. شاهدنا في المزرعة بعض النباتات المصابة بالعدوى، وإن كنا لم نشاهد الحشرة نفسها إلا أننا تعرفنا على طريقة عملها وكيف تقوم بالتغذي على لحاء الشجرة، والدخول في جذعها محاولة إصابة خلاياها بالعدوى، وهي عملية طبيعية لأن الحشرة تحتاج إلى طعام كي تعيش. وهذا الطعام تحصل عليه من الأشجار، أما إذا تصادف أن كانت هذه الشجرة هي شجرة الأجار فإن المستفيد هنا هو الإنسان الذي سيصبح عندئذ ثرياً وينعم بحياة مترفة. لذلك نجد الكثير من الناس يتجولون في الغابة بحثاً عن الأشجار المصابة بالعدوى وخصوصاً تلك التي يزيد عمرها على (50) عاماً. أما الأشجار المصابة بالعدوى التي يقل عمرها عن ذلك، فيتم الاستفادة منها باستخراج دهن الأجار للحصول على خشب العود ذي الرائحة الزكية والذي يمكن بيعه وتحقيق ثروة طائلة من ورائه، وإن كان ذلك لا يتحقق إلا مقابل ثمن باهظ وهو التضحية بالحياة الأسرية، بل وإمكانية التضحية بالحياة ذاتها. ولعل هذا هو أحد أسباب ارتفاع تكلفة العود. أسرار المهنة في المزرعة، تحدث إلينا الكثيرون، ولكن إجاباتهم اختلفت عن بعضها البعض. وأردنا معرفة المزيد من المعلومات، إلا أن الأهالي لم تكن لديهم الرغبة في الإجابة على التساؤلات العديدة التي كانت تدور في أذهاننا. ولربما يرجع السبب في ذلك إلى رغبتهم في الاحتفاظ بأسرار المهنة، وعدم إطلاع الغرباء عليها. ولعلها المرة الأولى في التاريخ التي يتم فيها تدوين رحلة مصورة وإعداد فيلم وثائقي عن هذا الخشب الثمين، يُعرِّف الناس بأشجار الأجار وخشب العود ودهن العود. وقد استمر هذا الحذر المتوجس من الأهالي لأيام قليلة، لكنه تغير عندما علموا أن الغرض من هذا الفيلم الوثائقي هو غرض ثقافي نبيل، وبأنه لن يعرض للمشاهدة في الهند. وكان التجار متخوفين من احتمال تعريضهم لمشاكل مع السلطات الهندية، إذا ما تمت طباعة الفيلم وعرضه هناك.  قمنا بتصوير الفلم وحصلنا على بعض المعلومات حول الجزء المصاب بالعدوى من الشجرة. تقع المزرعة التي استمتعنا بزيارتها وجرى فيها التصوير في غابة ترقد مع سفح الجبل. وأردنا الذهاب إلى تلك الغابة علنا نستطيع الحصول على معلومات مهمة ومفيدة وربما أيضاً مثيرة، إلا أن الأهالي لم يسمحوا لنا بذلك متعللين بالأسباب الأمنية، ونتيجة لإصرارهم على موقفهم ذهبنا لمشاهدة إحدى أشجار الأجار التي يبلغ عمرها (20) عاماً والتي لم تكن مصابة بالعدوى بشكل كبير. عدنا إلى دار الضيافة، وتناولنا طعام الغداء في وقت متأخر، لانشغالنا بالتخطيط لزيارة قسم البحث والتطوير التابع لعائلة أجمل وهو يبعد مسافة (10) دقائق بالسيارة من دار الضيافة. كنا نهدف من هذه الزيارة إلى مقابلة الدكتور/منير الدين الذي يعمل في مجال طب الأعشاب وشجر الأجار، الذي قدم لنا وصفاً شاملاً عن المناطق التي يوجد بها شجر الأجار، وأوضح لنا الأسباب التي ميزت الأجار الهندي وجعلته أفضل الأنواع على الإطلاق. تحدث إلينا الدكتور منير الدين بإسهاب عن أنواع أشجار الأجار، موضحاً أن هناك ثلاثة أنواع رئيسة هي: أكويلاريا أجاليسا، وأكويلاريا مالاكانسيس وأكويلاريا كاسَنَا، وبين لنا خصائص ومزايا كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة. وتحدث أيضاً عن البذور، وعن نمو أشجار الأجار، وعن محاولات لإصابة الأشجار بالعدوى آلياً (وإن كان هذا الأسلوب لم يحقق نجاحاً حتى الآن). كما شرح لنا كيف أن لحاء شجر الأجار كان يستعمل كأوراق للكتابة، ويستخدم أيضاً لمساعدة نبات الفانيليا على النمو. وهناك نوع آخر من الأشجار يحقق أرباحاً وفيرة وهو شجر التيك الذي يستخدم في صناعة الأبواب والنوافذ وبناء المنازل، وهو يتواجد بوفرة في ولاية أسام نظراً لملاءمة مناخها الذي يجعل الشجرة تنمو نمواً طبيعياً. خصصت عائلة أجمل جزءاً من أرباحها الطائلة لبناء مستشفى لصالح الفقراء والمحتاجين. وعندما قمنا بتصوير المستشفى لم يمانعوا في ذلك على أساس أنه قد بني لغرض نبيل، ويحقق لهم شهرة تساهم في تخليد اسمهم. وبعد ذلك ذهبنا إلى وحدة تقطير يتم فيها استخراج دهن الأجار. وهناك قابلنا السيد زاهد أحمد الذي تفضل مشكوراً بتقديم شرح مفصل عن دهن العود، ومتى بدأ بالعمل في هذا المجال، ولم نصور العملية بكاملها على أساس أننا سوف نستكمل باقي التصوير في اليوم التالي. كنا قد خططنا في الليلة السابقة للذهاب صباحاً لمصنع عائلة أجمل لتصوير عملية تصنيع دهن الأجار بصورة كاملة، إلا أننا في الصباح، تلقينا رسالة تفيد بأن أحد العاملين في المصنع قد توفي نتيجة لنوبة قلبية، مما اضطرنا لتأجيل الأمر إلى اليوم التالي. (يتبع الجزء الثاني) , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

إلى ( أجرا )
رحلة البحث عن شجرة عود الأجار (العود الهندي) (2)
رحلة البحث عن شجرة عود الأجار (العود الهندي) (1)
زيارة ساحة تيان آن مان (ميدان السلام السماوي)
مختارات من رحلة خير الدين الزركلي 6
رحلة إلى إيطاليا لجوته
قصة جزيرة سواكن السودانية