HIS EXCELLENCY MOHAMMED AHMED KHALIFA AL SUWAIDI - ELECTRONIC VILLAGE - Spreading Knowledge
Arabic    

العلاقات الخليجية - الهندية.. خصوصية وتميُّز عبر التاريخ


2018-02-01
اعرض في فيس بوك
Category : مختارات من الشبكة العنكبوتية

 
 
 
العلاقات الخليجية - الهندية.. خصوصية وتميُّز عبر التاريخ
 
|| #مشاهدات_مختارة #بحوث_ودراسات ||
*البحث ربما يكون طويلاً لكنه يقدم تلخيص هام للمهتمين
 
الحقيقة أن الباحث في العلاقات الخليجية - الهندية، لا يستطيع من أين يبدأ بحثه نظراً إلى تشعب هذه العلاقات وتنوعها في كل المجالات، ناهيك بتأثر كل طرف بالطرف الآخر ثقافياً واجتماعياً وفكرياً. ولهذا تعتبر هذه العلاقات ذات خصوصية وتميز، خصوصاً أن طرفيها خضعا في وقت من الأوقات لإدارة سياسية واحدة هي إدارة الهند البريطانية، على نحو ما سنفصل لاحقاً.
 
ولأن الهند اليوم تقفز قفزات واسعة نحو الصعود إلى مراتب الدول الكبرى، بل وتحتل موقعاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وعلمياً بارزاً بين الكبار، في الوقت الذي تواجه فيه البلاد العربية جملة من التحديات والمعضلات على الصعد السياسية والأمنية والتنموية وخلافها، فإنه والحالة هذه، يُفترض بعث العلاقات القديمة ما بين الجانبين الهندي والعربي وتجديدها وتعزيزها لما فيه مصلحة الطرفين، خصوصاً أنه لا يوجد للهند ماضٍ استعماري، ناهيك بحقيقة عدم وجود قضايا خلافية بينهما حول المياه والأراضي والحدود من تلك التي قد تَحُول دون تعاون الطرفين، علاوة على أن الكثير من الملفات والقضايا البينية الشائكة التي أزَّمت علاقة الهند ببعض الدول العربية في حقبة الحرب الباردة، والتي كانت بفعل طرف ثالث، قد أُغلقت.
 
العلاقات التاريخية القديمة
 
ومما لا شك فيه أن علاقات الهند بمنطقة الخليج تضرب جذورها في أعماق التاريخ البعيد، فوفقاً للحفريات والدراسات الأركيولوجية التي أُجريت في سواحل الهند الشرقية، وما يقابلها من سواحل الخليج العربي، فإن تاريخ نشوء هذه العلاقات يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد حينما نشأت روابط تجارية ما بين حضارة وادي الإندوس وحضارة الرافدين القديمتين. فبسبب الموقع الجغرافي للخليج، المتوسط ما بين هاتين الحضارتين، وبسبب الازدهار النسبي لبعض مناطق الخليج وقتذاك لجهة توفر المواد الغذائية والمياه العذبة، كما كان الحال في مملكة دلمون البحرينية، ومملكة ماجان العمانية، فقد اتخذت هذه المناطق في الخليج كمحطات ترانزيت للتزود بالماء والطعام أو للراحة من قبل السفن التجارية المتنقلة ما بين بلاد الهند وبلاد الرافدين.
 
هكذا كانت البدايات، محصورة فقط في المبادلات التجارية غير المباشرة، وظلت كذلك لفترة طويلة قبل أن يتعلم أبناء الخليج فنون وأساليب التعامل التجاري المباشر مع الهنود، ويوظفوا خبراتهم الملاحية المكتسبة في احتكار الكثير من عمليات التصدير إلى الهند والاستيراد منها وإعادة التصدير إلى مناطق أخرى. وطبقاً لبحث أركيولوجي هندي، فإن اثنتين وأربعين سلعة على الأقل كان يتم فيها التبادل التجاري في تلك الحقبة السحيقة، من بينها النحاس والفضة والعاج واللؤلؤ والأصداف والأحجار الكريمة والملابس المنسوجة.
 
وقد أسفرت الحفريات التي أُجريت في جزيرة «أم النار» في «أبوظبي» عن اكتشاف خناجر برونزية لها مواصفات وأشكال الخناجر المعروفة في حضارة وادي الإندوس. وفي مناطق أخرى من دولة الإمارات العربية المتحدة، مثل «رأس الخيمة»، تم العثور داخل أحد المدافن الأثرية على أوانٍ فخارية وحجرية من عصر «Harappa» في وادي الإندوس، إضافة إلى أحجار للوزن من تلك التي كانت تستخدم في المدن الواقعة على ضفاف نهر السند ما بين عامي 2300 - 1800 قبل الميلاد.
 
الهند والعرب قبل الإسلام وبعده
 
قبل مجيء الإسلام بوقت طويل، وعلى نحو ما هو موثَّق في الشعر الجاهلي الذي يعتبر أحد المصادر المهمة لتأريخ أحداث وأحوال مجتمعات شبه الجزيرة العربية، عرف العرب الهند، وأُعجبوا ببضائعها من حرائر وبخور وطيب وأحجار كريمة ومعادن وتوابل، وأشادوا بحكمة أهلها وعلمهم. وقد بلغ إعجاب العرب بالهند أن أطلقوا على بناتهم اسم «هند»، ونسبوا سيوفهم إلى الهند فسموها بـ«المُهّند». وقد تعزز كل هذا بمجيء الإسلام في القرن السابع الميلادي، ثم بنجاح المسلمين في فتح العراق وبلاد فارس، وانتقال عاصمة الدولة الإسلامية من مكة إلى دمشق، ولاحقاً إلى بغداد، إذ كانت لهذه التطورات مجتمعة أثرها الإيجابي على ازدهار الروابط التجارية ما بين العرب والهند. وبعبارة أخرى أدى قيام دولة إسلامية موحدة مترامية الأطراف، ونمو مدنها القديمة، وظهور حواضر جديدة، إلى خلق كتلة شرائية كبيرة، الأمر الذي أدى بدوره إلى تزايد وتيرة الاستيراد من الهند عبر الخليج وبالتالي تعززت حركة الاتصالات ما بين عرب الخليج والهند.
 
وبدخول أجزاء من الهند في الدولة الإسلامية كوحدات تابعة للأخيرة مُدارة من دمشق، ولاحقاً من بغداد، وذلك على أثر نجاح المسلمين العرب في عام 711 للميلاد في فتح بلاد السند بقيادة «محمد بن القاسم»، ازدهرت الصلات التجارية ما بين المنطقتين وتشعبت كما لم يحدث من قبل. كما ازدهرت على هامشها وللمرة الأولى العلاقات الثقافية والعلمية والفكرية والاجتماعية، لا سيما في عهدي «هارون الرشيد» وابنه المأمون اللذين عُرفا بانفتاحهما وتشجيعهما للعرب على الاقتباس من علوم الآخرين، والتواصل مع حضارة الآخر غير المسلم دون حساسية، وترجمة إسهاماته العلمية والفكرية، والبناء عليها. ففي عهديهما الموسومين بـ«العصر الذهبي» للعلاقات الهندية - العربية انتقلت ثمار العلوم والإبداعات الهندية إلى العرب عبر ترجمة عدد كبير من المؤلفات من الهندية إلى العربية في الأدب، والفلسفة، والرياضيات، والفلك، وسموم الأفاعي، وأمراض النساء، وصناعة الأدوية.
 
حراك ديموغرافي
 
وفي هذه الفترة الذهبية نشطت أيضاً حركة الكشف الجغرافي والتدوين التاريخي، والتي حملت عدداً من الرحالة والجغرافيين والمؤرخين العرب على السفر إلى الهند، فظهرت على أيديهم أوائل الكتب العربية من تلك التي تصف بلاد الهند وأوضاعها السياسية والاقتصادية وعادات أهلها وتقسيماتهم العرقية والمذهبية.
 
وفي فترة ما قبل ظهور الإسلام وبعده حدثت تحركات ديموغرافية ما بين منطقتي الخليج وشبه القارة الهندية في الاتجاهين. ومن شواهد هذه التحركات، نزوح أقوام من الهند باتجاه سواحل الخليج العربية أولاً، ومن ثم باتجاه مناطق أخرى مثل البصرة وبلاد الشام، واشتغالهم فيها كجنود مقاتلين، أو كحراس على ظهور السفن الملاحية، أو كخدم للتجار ومالكي المراكب التجارية.
 
من جهة أخرى، كانت هناك هجرات عربية من الخليج وشبه الجزيرة العربية صوب السواحل الهندية -لا سيما الجنوبية منها- لأسباب مختلفة مثل القحط، أو الهرب من الاضطرابات السياسية، أو البحث عن سبل الرزق الحلال، أو من أجل التجارة والكشف الجغرافي والتدوين التاريخي. وبعبارة أخرى نزل المهاجرون والتجار من شبه الجزيرة العربية على سواحل الهند الجنوبية قبل زمن طويل من الفتح الإسلامي لبلاد السند، فاستقروا بها، واختلطوا بسكانها، وتزوجوا من نسائها، ونشروا بين أهلها عقيدتهم الإسلامية، مستفيدين من أجواء التسامح الهندي، وانكفاء الهنود على أنفسهم داخل حدودهم، وتجنبهم الدخول في صراعات وحروب خارجية. وهكذا ظهرت في جنوب الهند مستوطنات عربية، وأجيال مختلطة الدماء مثل مَن يُعرفون في ولاية «كيرالا» باسم «موبلاس»، ومثل مَن يُعرفون في ولاية «كارناتاكا» باسم «البتكلية»، فهؤلاء هم في الواقع أحفاد أولئك المهاجرين العرب الأوائل من عمان واليمن الذين وصلوا إلى سواحل «مليبار» وتصاهروا مع سكانها. ويستند البعض إلى حقيقة تلك الروابط القديمة ما بين عرب شبه الجزيرة والخليج وساحل «مليبار» الهندي لتفسير ظاهرة من الظواهر المعاصرة في الخليج وهي أن أكثر من أربعين بالمئة من إجمالي الهنود العاملين في منطقة الخليج في الوقت الراهن هم وافدون من ولاية «كيرالا».
 
الهند والخليج في الحقبة البريطانية
 
بعد فترة الهيمنة البرتغالية على سواحل الخليج وسواحل الهند الغربية والتي بدأت في نهايات القرن الخامس عشر، وشهدت خلالها علاقات الهند في منطقة الخليج والمنطقة العربية عموماً تراجعاً واضحاً بسبب رعونة البرتغاليين وجشعهم وبطشهم، بُعثت تلك العلاقات وشهدت تجديداً مع بدايات القرن 17، حينما قُدر للبريطانيين بسط نفوذهم على المنطقتين. بل وشهدت روابط الطرفين انعطافات إيجابية غير مسبوقة في ظل دخولهما معاً تحت سلطة واحدة هي سلطة المستعمر البريطاني ممثلة في حكومة الهند البريطانية، التي شجعت مثل تلك الروابط لمصالحها الخاصة.
 
ولعل من المفيد هنا تأكيد أن تكبيل البريطانيين للخليج بمعاهدات الحماية لم تكن إلا بسبب الهند، وما كان للمستعمر في الهند من مصالح وأطماع اقتصادية واستراتيجية. وبعبارة أخرى، فإننا كنا ضحية لأهمية الهند، وقربها الجغرافي من الخليج من جهة، وأطماع المستعمر فيها من جهة أخرى. وتكفينا الإشارة في هذا السياق إلى أنه في أواخر القرن 18 حدث تطور مهم أفضى إلى اهتمام بريطانيا بفرض وصايتها ونفوذها على منطقة الخليج. ونعني بهذا التطور بروز مقاومة للنفوذ البريطاني في المحيط الهندي من قبل «القواسم» الذين امتلكوا وقتذاك قوة بحرية تجارية عسكرية أتاحت لهم التوسع وبسط نفوذهم على أجزاء واسعة من سواحل الخليج العربية . وقد استخدمت بريطانيا الحملات العسكرية المتكررة على الخليج بحجة تأمين السلام والاستقرار في المياه المحاذية للهند، إلى أن كبَّلت المنطقة بمعاهدات في أواخر القرن 19 وبداية القرن 20، الأمر الذي أضفى الصفة القانونية على الوجود البريطاني في الخليج.
 
في حقبة الهيمنة البريطانية على الهند، التي امتدت حتى عام 1947، كان ارتباط الهند بالخليج وثيقاً وواضحاً على أكثر من صعيد. فكما كتبت «روز ماري زحلان» في كتابها «نشوء الدول الحديثة في الخليج»، «كان الخليج يُدار من قبل حكومة الهند البريطانية، وصارت القرارات المصيرية بشأنه تُتخَذ في كلكتا أو بومباي، وتنفَّذ عبر وكلاء إنجليز مقيمين في مسقط والشارقة وبوشهر والبحرين والكويت. وأصبح جهازه الإداري تحت سيطرة موظفين مختارين من جهاز الخدمة المدنية في الهند. وصارت العملات المتداولة فيه محصورة في الروبية الهندية، والطوابع المستخدمة فيه لأغراض البريد هي الطوابع الهندية مختومة فوقها عبارة البحرين أو مسقط أو الكويت أو قطر، واللهجات المستخدمة على سواحله مطعَّمة بالكثير من المفردات والعبارات ذات الأصول الهندية».
 
غير أنه من التسطيح بمكان اختزال علاقات المنطقتين والأدوار الهندية في الخليج في تلك الحقبة في مثل هذه العبارات العامة. ذلك أن تلك العلاقات، وكنتيجة لسيطرة البريطانيين المحكمة على المنطقتين، وإمعانهم في تقييد حرية أبناء الخليج لجهة التعامل والتواصل مع الآخر، وحصرها في التعامل مع بومباي فقط، كانت أكثر تشعباً وذات تأثيرات عميقة متبادلة امتدت لتشمل مختلف المجالات، ولتصل إلى أدق الأمور وأصغرها، الأمر الذي جعل الهند تحتل مكاناً بارزاً في موروثات الخليج الشعبية والاجتماعية والثقافية لفترة طويلة نسبياً. مثل هذا الارتباط لم يكن ليمر دون أن يفرز أثراً هندياً واضحاً على مجمل مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في الخليج.
 
بصمات الهند على مجتمعات الخليج العربي
 
الأدوار التي لعبتها الهند في منطقة الخليج في حقبة ما قبل استقلالها، يوم أن كانت شؤون الخليج منوطة بحكومة الهند البريطانية تجسدت في أكثر من مجال حيوي، واختصت بأكثر من شأن. فقد لعبت الهند، من خلال أسواقها العامرة، دوراً لا يمكن إنكاره في استيعاب محصول الخليج من اللؤلؤ الذي كان مصدر الدخل الرئيسي للمنطقة قبل اكتشاف النفط وتصديره. ولم يقتصر دورها على هذا فحسب، بل لعب الهنود دوراً مهماً في مساعدة تجار الخليج، شراكةً أو إقراضاً، بالأموال اللازمة لبناء وتوسعة أساطيل صيدهم البحري، مما مكنهم من تجديد مراكبهم والاستفادة من الخامات والمهارات العالية ذات الصلة المتوفرة في الهند. وفي مقابل تردد تجار اللؤلؤ الخليجيين على سوق اللؤلؤ الكبير في مدينة بومباي والمعروف باسم «Motti Bazar»، لتسويق بضائعهم، كان بعض التجار الهنود يتردد على الخليج بصفة دورية أو يقيم فيه إقامة دائمة بحثاً عن صفقات اللؤلؤ المجزية. ولعبت الهند على مدى عقود طويلة دوراً رئيساً في تزويد أهل الخليج بكل مستلزماتهم المعيشية من غذاء وكساء ودواء وكماليات. ولعل ما سهَّل الاعتماد التجاري الخليجي على الهند بهذه الصورة الكبيرة هو وجود وسيلة واحدة مشتركة للدفع متمثلة في الروبية الهندية.
 
كما لعبت الهند دوراً في إثراء العديد من مؤسسي البيوت التجارية المعروفة في منطقة الخليج. حيث كان انطلاق هؤلاء نحو عوالم الثراء والريادة في قطاعات المال والأعمال والصيرفة والتوكيلات التجارية وأنشطة الملاحة البحرية ابتداءً من الهند، وذلك من خلال تأسيسهم مكاتب وفروعاً لهم في بومباي وكلكتا أولاً، ثم من خلال استخدامهم لتلك المكاتب في توثيق علاقاتهم بنظرائهم الهنود، وصولاً إلى حصولهم على توكيلات تجارية حصرية مثل احتكار عملية نقل الحجاج الهنود من الهند إلى الأراضي المقدسة في الحجاز، ومثل احتكار حق تمثيل «شركة المغول الملاحية» لنقل البضائع والمسافرين ما بين الهند وسواحل الخليج العربية والفارسية، واحتكار عمليات إقراض صغار التجار الخليجيين، وحفظ واستثمار أموالهم.
 
تجارة ويقظة اجتماعية
 
وتفيد السجلات التاريخية بأن معظم تجار الخليج المتعاملين مع الهند في العقود الأولى من القرن العشرين كانوا من ذوي المدارك الإصلاحية والشغف بكل ما كانت تحتضنه الهند من كنوز معرفية وظواهر حضارية وقيم تنويرية. لذا فقد وزَّعوا أوقاتهم في أثناء ترددهم على الهند ما بين التجارة، والنهل من الثقافة، وبناء العلاقات الاجتماعية مع النخب الهندية، والقيام بالمشاريع الخيرية والإنسانية، ناهيك بالاجتماع والاحتفاء بمن كان يحل أو يمر بـ«بومباي» من أعلام الفكر والسياسة العرب المنفيين أو الهاربين من ظلم السلطات الاستعمارية في بلادهم، من أمثال رشيد محمد رضا، وحافظ وهبة، وطالب باشا النقيب، وعبدالعزيز الثعالبي. ومما لا شك فيه أن اجتماع التجار الخليجيين بهؤلاء وغيرهم انعكس إيجاباً على مداركهم، وجعلهم مدركين لما كان يجري في العالم من تطورات فكرية وحضارية، وبما شكل نواة لحركة اليقظة الاجتماعية والثقافية والسياسية في منطقة الخليج العربي. وفي هذا السياق كتب مفيد الزيدي في أطروحته للدكتوراه: «كانت هذه الأفكار والحوارات تُنقل من التجار والقادمين من بومباي إلى الشباب في منطقة الخليج في قضايا الإصلاح وتغيير الواقع المتخلف، وتشجيع السكان على طلب العلم ونبذ الجهل، وتغيير الحياة التقليدية». وكان من نتائج هذا أنْ تشكلت الأندية الثقافية في الخليج، مثل «نادي إقبال أوال» و«النادي الأدبي» في البحرين في عامي 1913 و1920 على التوالي على يد نفر من الشباب البحريني، وظهرت الصحف كصحيفة «البحرين» في عام 1939 على يد الشاعر والمصلح وتاجر اللؤلؤ عبدالله الزايد، الذي يبدو أنه تأثر بما رآه من نشاط صحفي في الهند في أثناء إقامته هناك منفياً، فقرر أن تكون لبلاده صحيفة، وقام بطبعها في مطابع استوردها من الهند خصيصاً لذلك في سنة 1934. ومن النتائج الأخرى تشكُّل الوعي لدى الكثيرين في الخليج بأهمية إرسال أبنائهم إلى الخارج لدراسة العلوم العصرية. وهكذا برزت «بومباي» حتى نهاية الحرب الثانية أو بعدها بقليل كوجهة وحيدة لأبناء الأسر الخليجية الحاكمة، ولأبناء العائلات الخليجية الموسرة ومن في حكمهم من أجل التحصيل العلمي. ولهذا نجد أن أوائل من حملوا لواء التحديث والإصلاح في البحرين والكويت ودبي والشارقة في بدايات القرن العشرين هم ممن يدينون بعلومهم ومعارفهم للمدارس الهندية.
 
إصلاح إداري
 
المطالبة في الخليج بالإصلاح الإداري والقضائي، وتحسين القوانين والأعراف التقليدية الخاصة بمجتمع الغوص وصيد اللؤلؤ، وما إلى ذلك من مطالب حول الحقوق، بدأت أول ما بدأت في البحرين في العقد الثاني من القرن العشرين، واستمرت في الثلاثينيات والأربعينيات، ثم انتقلت عدواها إلى مناطق أخرى في الخليج، وإنْ بزخمٍ أقل.
 
وحينما دشنت بريطانيا في بدايات القرن 20 بعض التغييرات التنظيمية والإدارية في الخليج تحت ستار التحديث والعصرنة مبتدئة بالبحرين (بحكم موقعها المتوسط في المنطقة، وتركز المصالح البريطانية فيها) فقامت بإعادة تنظيم دائرة الجمارك، وتأسيس الخدمات البريدية والبلدية والمصرفية، وفرض قوانين مدنية وجنائية وتجارية حديثة مستمدَّة مما كان معمولاً به في الهند، اعتمد المستعمر البريطاني في هذه العملية، وما أعقبها من أعمال تطويرية في حقبة ما بعد اكتشاف النفط كإنشاء البلديات وشبكات الاتصال والإنارة وتأسيس دوائر صحية وزراعية.. على مواهب وكفاءات الهنود من ذوي الياقات البيضاء. أما الهنود التجار والهنود من ذوي الياقات الزرقاء فلم يحلّوا بالخليج إلا لاحقاً.
 
مابعد النفط.. أنشطة تجارية
 
مع توسع النشاط الاقتصادي في منطقة الخليج بفضل إنتاج النفط وتصديره، وما تركه ذلك من تغييرات اجتماعية وثقافية نسبية على أحوال الناس ومتطلباتهم وأنماط حياتهم، انتهز بعض التجار الهنود الوضع لتأسيس أنشطة وبيوتات تجارية في الخليج لمواجهة تزايد الطلب على البضائع التقليدية وأيضاً على المنتجات العصرية من أجهزة وكماليات لم تكن معروفة أو متداولة على نطاق واسع في الخليج، ولم يكن بمقدور التجار المحليين توفيرها من مصادرها الأصلية في الغرب، نظرا لضعف ثقافتهم الأجنبية أو تواضع معرفتهم بدروب ومسالك الاتصال بالمنتجين الأوروبيين.
 
وقد رافق هذا التطور زيادة ملحوظة في أعداد الهنود في منطقة الخليج من غير طبقة التجار وأصحاب الياقات البيضاء والفنيين والتقنيين العاملين في صناعة النفط. حيث أدى توسع النشاط الاقتصادي وبالتالي تحسن المداخيل إلى تسابق الهنود للوصول إلى سواحل الخليج للعمل كخدم وباعة وسواقين وخياطين وحلاقين وطباخين وندلاء، فقدموا بذلك خدمات وسدوا فراغاً لا يمكن إنكاره في بدايات مرحلة العصرنة ونشوء الحواضر الخليجية.
 
علاقات طالت المطبخ والأزياء
 
وتأثر المطبخ الخليجي المتواضع في مكوناته بالمطبخ الهندي المتنوع والثري سواء من جهة تنوع أطباقه أو المواد المستخدمة في إعداد تلك الأطباق. فصارت الأطباق الهندية بمسمياتها من «برياني ودال وسمبوسة» أطباقاً خليجية، وصارت التوابل الهندية والأرز البسمتي مواد رئيسية في كل ما يُطبخ داخل المنازل الخليجية.
 
وتأثرت ملابس نساء الخليج ومجوهراتهن -لا سيما نساء عمان والإمارات- سواء من ناحية الخام المستخدم أو الألوان أو النقوش بالفنون والنقوش والألوان المستخدمة في الهند للتطريز والتفصيل وصناعة الحليّ الذهبية والفضية. كما أن هذا التأثير شمل ملابس الرجال إلى حد ما، الأمر الذي نجد تجلياته في ظهور الثوب «الململ»، والصديري، والوزار المليباري، والكوفية المشجرة، ضمن أزياء الرجال في الخليج. وامتد التأثير الهندي إلى الأثاث والمفارش والوسائد وقطع الديكور المستخدمة في البيوت والغرف والمجالس الخليجية. وفي هذا السياق تحديداً يمكن الإشارة إلى أسرّة النوم ذات الأعمدة النحاسية رمّانية الشكل، واللوحات الزجاجية ذات الرسومات الطاووسية، والمرايا الدائرية الصغيرة التي كان تزيَّن بها غرفة العريس وعروسته، والمساند المزينة بتطريزات ونقوش يدوية هندية.
 
كما وصل التأثير الهندي إلى الأشعار والأمثلة الشعبية وألعاب الأطفال وأناشيدهم وألغازهم. حيث نجدها تشتمل على مفردات تشير بطريقة أو بأخرى إلى الهند كبلد أو إلى بضائعها أو حيواناتها أو أطباقها أو وحدات عملتها. ولم تَسلم الموسيقا والفنون الغنائية الخليجية من التأثيرات الهندية، حيث نجد في الألحان الخليجية نفساً واضحاً للأنغام والإيقاعات الهندية الراقصة. أضف إلى ذلك أن بومباي لعبت في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات دور القاهرة في ما بعد كوجهة لتسجيل الأغاني الخليجية على أسطوانات، بسبب امتلاكها استديوهات التسجيل ومعامل نسخ الأسطوانات بأشكالها الصلبة القديمة.
 
«بمبي» كمجتمع تهفو إليه قلوب الخليجيين
 
إن كانت ثمة مدن قد عشقها الرعيل الخليجي الأول، فإن بومباي أو ما كان يسمونه في لهجتهم الدارجة «بمبي» هي سيدة هذه المدن. لقد وجد الآباء والأجداد الخليجيون في نجد والحجاز والإحساء والبحرين وقطر والكويت ومشيخات الساحل، في الهند كل ما يسرّهم، ويرفع من صيتهم التجاري، ومكانتهم العلمية والفكرية، خصوصاً أنها عُرفت -على خلاف غيرها من الأوطان- كبلد آمن ومستقر، يكرم ضيوفه، ويتيح لهم فرص الإقامة والعمل والحركة دون منَّة. وكانوا هم من جانبهم -إذا ما أفاء الله عليهم بالرزق الوفير- لا يبخلون في الإنفاق على الهنود، بناءً للجوامع والمدارس وبيوت الضيافة ودور الأيتام ومعاهد تعليم العربية. وهذا تحديداً ما قام به كبار تجار اللؤلؤ والسلع الأخرى من الخليجيين ممن أثروا من وراء التجارة مع الهند والهنود من أمثال آل البسام وآل القاضي وآل القصيبي وآل الفوزان وآل الفضل من نجد، وآل زينل وآل عبدالجواد وآل الصبان وآل باناجه من الحجاز، وآل عبدالرزاق وآل صانع وآل إبراهيم وآل مشاري وآل الشايع وآل الخالد وآل الغانم وآل المرزوق من الكويت، وآل الزياني وآل فخرو وآل مطر وآل مصطفى عبداللطيف بستكي وآل كانو من البحرين، وآل المدفع من الشارقة وآل الصايغ وآل بدور وآل لوتاه وآل النومان وآل نابوده من دبي، إضافة إلى الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني المؤسس الحقيقي لدولة قطر، والمرحوم خليل بهزاد من أهالي لنجة، والمرحوم محمد فاروق وأخيه محمد صديق ابني محمد عقيل وهما من «بستك» في بلاد فارس وعملا في تجارة اللؤلؤ في «بمبي» ودبي وكان لهما محل في باريس. ولا يزال عبق هؤلاء الرجال الميامين يفوح من جنبات الأحياء العتيقة في شارع «محمد علي رود» وهو شارع كان قديماً بمثابة شانزليزيه «بمبي»، وشارع «إبراهيم رحمة الله رود» وهو شارع متفرع من الأخير، وشارع «كولابا» التي كانت به قصور ودواوين ومكاتب آل إبراهيم الكويتيين أمراء اللؤلؤ، حسب وصف تاجر المجوهرات الفرنسي «كارتييه»، و«بندي بازار» وهو سوق الحراير والبخور والمصوغات، ومنطقة «تشيرتش جيت» حيث تقع محطات القطارات، وإحداها تحمل اسم «محطة منزل جاسم» نسبةً إلى جاسم الإبراهيم الذي تولى منذ عام 1908 إدارة أملاك عائلته في «بمبي»، المدينة التي عشقها أبناء الرعيل الخليجي الأول كما لم يعشقوا سواها، وكتبوا القصائد في مدح مزاياها وتسامح أهلها، واعتبروها كباريس ولندن وجنيف عند جيل اليوم.
 
مفردات هندية في الخليج
 
كان من الطبيعي في ظل الأدوار الهندية أن تتجاوز التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للهند على عرب الخليج المظاهرَ والشكليات إلى ما هو أبعد وأعمق بكثير. وكنتيجة لتزايد حركة التواصل والاحتكاك ما بين شعبي المنطقتين في حقبة السيطرة البريطانية عليهما تطعمت لهجات مواطني سواحل الخليج العربية بطائفة كبيرة من المفردات الهندية والأوردية. ويمكن تصنيف المفردات الخليجية ذات الأصل الهندي في مجموعات. فمنها ما يتعلق بمنتجات كانت تَرِد حصرياً من الهند، ومنها ما يختص ببضائع أوروبية كانت تَرِد إلى الخليج بوساطة التجار الهنود، فكانت تسوّق بأسمائها الهندية لعدم سابق معرفة المجتمع الخليجي بها، ومنها ما يطلق على المهن والخدمات التي كان الوافدون الهنود يقومون بها دون غيرهم، ومنها ما يتعلق باستخدامات الروبية الهندية، أو أدوات وزن وتثمين وتصنيف اللؤلؤ.
د.عبدالله المدني*
*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي- من البحرين