محمد أحمد خليفة السويدي - القرية الإلكترونية - Spreading Knowledge - محمد أحمد السويدي - محمد السويدي
Arabic    

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 6 - على المنارة


2019-05-11
اعرض في فيس بوك
التصنيف : رحلات عقل

 

 

 

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
 
6-  على المنارة
 
في عام 1470 أو بدايات 1471 قام الرسام الفلورنسي المغمور بياجو دا انطونيو توكشي برسم لوحة توبيا ورؤوساء الملائكة الثلاثة، وهو شكل آخر في موضوع توبياس ذي الشعبية الكبيرة، وهو من المواضيع التي تناولها فيروكيو وليوناردو أيضاً.  من خلف الأشخاص تبدو فلورنسا بمناظرها المعتادة – الأسوار والروابي، وفي وسطها قبة الكاتدرائية العظيمة.  إنّه تقليدي لدرجة كبيرة، أما ما رسمه بياجو فهو ما رآه فعلياً، وما رآه كان سقالة أكثر طولاً وتعقيداً حول المصباح الرخامي على قمة القبة. وعليه أصبحت اللوحة تسجيلاً بصرياً فريداً للمسة النهائية التي وُضعت على القبة. البنية الرئيسية للقبيبة كانت قد أكتملت قبل حوالي خمسين سنة على يد برونيليسكي – "  تتحدى السماء نفسها" كما عبر فازاري بقوة-  ولكنها لم تتوج بالكرة السلطانية والصليب الواردين في التصميم الأصلي الذي وضعه برونيليسكي. وقد تم تكليف فيروكيو ومعاونيه، وإن استطاع المرء أن يستخدم نوعاً من العدسات السحرية المكبرة للنظر إلى لوحة أوتيلي فربما لاحظ بعض الأشخاص المعينين، على قمة السقالة، والتي قد يكون من بينها شخص ليوناردو دا فينشي مساعد فيروكيو. 
وقد تم منح هذا العقد المهيب إلى فيروكيو من قبل قسم الأشغال بالكاتدرائية [fabbriceria] في شهر سبتمبر من عام 1468. وفي فصل الربيع من السنة التالية غادر إلى مدينة البندقية و تريفيزو لشراء النحاس جيد النوعية اللازم لصنع الكرة السلطانية. وقد كان قطر الكرة أو كما يسمونها [Palla] يبلغ 8 أقدام، وتزن أكثر من طنين.  وبحسب فازاري فإنَّ عملية الصب " تطلبت الكثير من الحرص والإبداعية حتى يصبح بالإمكان دخول الكرة من تحتها، وتحصينها من أضرار الرياح". وعلى الأرجح كان قالبها هو ال"الكرة" المذكورة في قائمة جرد مقتنيات فيروكيو التي تركها بعد موته.
وفي 27 مايو 1471 تم رفع الكرة على قمة المصباح الرخامي الذي يعلو القبة، على ارتفاع 350 قدماً فوق الأرض. وقد ذكرت سجلات الحسابات الخاصة بأوبرا القبة عملية سداد مبلغ ليرتين " لشراء خبز ونبيذ للعمّال عندما يضعون الكرة". فقد استغرقت عملية تركيبها وتأمينها في قاعدتها الحجرية ثلاثة أيام، وفي اليوم الثلاثين من شهر مايو تم وضع الصليب من فوقها. وكان العطار لوقا لاندوتشي يقف بين الحشود التي كانت تراقب في الأسفل: " لقد وضعوا الصليب على الكرة المذكورة، وقد صعد الكهنة ومعهم نفر كثير إلى الأعلى وأنشدوا ترنيمة [لك المجد يا رب "Te Deum"] هناك." وقد ذكرت القصة سداد مبلغ 3 ليرات "لعازفي الأبواق التابعين لقصر الشعب [أو قصر السيادة]... وذلك لما بذلوه من جهد عندما عزفوا على المنارة لحظة وضع الصليب."  
أما ليوناردو تحديداً فقد كان له علم بالمشروع والمشاكل الهندسية المتعلقة به. وقد وجدت بين طيات أحد كراساته ملاحظة تتضمن تذكيراً معيناً: " تذكر أدوات اللحام التي استخدمت في تثبيت الكرة على كنيسة القديسة ماريا ديل فيوري".  وتعود هذه الملاحظة إلى عام 1515، عندما كان مشتركاً في مشروع لصناعة المرايا الإهليلجية، والتي تصنع عن طريق لحام عدد من الأوجه مع بعضها. لقد كان ينظر إلى الوراء إلى أكثر من أربعين عاماً تجاه ذلك المشروع الفلورنسي المثير للدوار والذي ساهم هو في تنفيذه عندما كان شاباً صغيراً. 
وليس من الممكن بكل تأكيد إثبات أنَّ ليوناردو كان جاثماً هناك على تلك السقالة العالية فوق أسطح سقوف مباني فلورنسا، "متحدياً السماء نفسها". ولكن في أي مكان غير هذا نتوقع أن نجده؟
جذب هذا المشروع ليوناردو إلى مقربة من العمل الشخصية الأسطورية لفيلبو أو (بيبو) برونيلسكي، العقل المدبر لمعمارية القبة، والذي فعل الكثير لصنع مكانة جديدة لمهندسي معمار عصر النهضة. لقد كان رجلاً صغير الحجم، دميماً، ومناضلاً: لقد كان "ذا هيئة متواضعة" يقول فازاري " ولكنه ذو نبوغ فائق لدرجة أنَّ بإمكاننا الجزم بأنّه قد أدخل إلى الجنة". وحكاية البيضة الشهيرة لخصت ذوقه المثير للاستفزاز. ففي المنافسة لبناء القبيبة، علمنا أنَّ برونيلسكي رفض أن يفصح عن خططه، ولكنّه فاز بالمنافسة بنوع من الرهان أو الجرأة. فقد قال" كائناً من كان إن استطاع أن يجعل بيضة تقف على أحد أطرافها فوق سطح مستوٍ من الرخام، فإنّه لن يعجز عن بناء القبيبة، إذ أنّه سوف يبين لنا-بذلك- مدى ما حازه من عبقرية". وقد جُلبت البيضة وفقاً للاتفاق، وحاول الخبراء المتنافسون عبثاً أن يجعلوها تقف على أحد أطرافها. عندها تقدم هو و" أخذ البيضة بكل رفق وضغط حافتها السفلى على الرخام وجعلها تقف منتصبةً." احتج الآخرون بأنّهم "كانوا ليفعلون الشيء نفسه،" ولكن ضحك فيلبو وقال " إنّهم كانوا ليصممون القبيبة هي الأخرى لو رأوا نماذجه."  وربما كانت هذه الحادثة ملفقة على الأرجح، ولكن المزيج الذي يتخللها من الاستعراضية والأصالة( وهو الشيء الذي قد نسميه جميعاً "التفكير الجانبي") لهو صحيح، كما لو كان هنالك دافع قوي من السرية المهنية. لقد كان مصاباً بالمخاوف- وهذا له ما يبرره في كثير من الأحيان- من القرصنة وسرقة الأفكار- وهي ميزة برونيلسكية أخرى ورثها ليوناردو. 
وتظل القبة واحدة من عجائب العمارة الأوربية- فهي ما زالت هنالك، بعد حوالي ستمائة عام، أكبر بناءٍ لقبة في العالم. ووفقاً للتقديرات الحديثة فهي تضم حوالي  4 ملايين لبنة وتزن حوالي 36000 طناً، وقد بنيت بدون "استخدام قالب القنطرة الخشبي" (هيكل من الخشب لدعم البناء). وهي في الحقيقة قبتان، واحدة تضم أخرى: الكبرى تمتد إلى حوالي 180 قدماً من أحد أطرافها إلى الطرف الآخر. وكل قبة تم تشكيلها من ثمانية قطاعات قوسية ذاتية الدعم، وقد تم بناؤها بالتزامن ودعِّمت بإطارات دائرية.  وقد كانت إحدى اختراعات برونيلسكي هي حمالات السلامة: وقد سقط واحد فقط من البنائين ميتاً أثناء بناء القبة- وهو رقم قياسي بمعايير يومنا هذا. 
أثار وضع كرة أو جسم كروي يزن طنين على قمة القبة، عدداً من المشكلات الهندسية التي لم تختلف كثيراً عن تلك التي واجهها برونيلسكي من قبل- وبشكل أساسي كيفية رفعها إلى هناك. مشاركة ليوناردو في المشروع أتاحت له فرصة التعامل بصورة مباشرة مع ورشة الكاتدرائية، وتصميمات برونيليسكي المشهورة للروافع والنواقل. وقد سجلت الدراسات الأشكال النهائية وبعض تفاصيل أجهزة برونيلسكي التي ضمن حزمة من رسومات ليوناردو في مخطوطة اتلانتكس، وهي تعود بشكل عام في تأريخها إلى أواخر سبعينيات القرن الخامس عشر، ولكنها على الأرجح عكست هذه المشاركة المبكرة في الهندسة الكاتدرائية. وقد وجدت هذه الآلات ذاتها في مفكرات مهندسي عصر النهضة الآخرين، ولكن الطريقة التي قام بها ليوناردو بعزل وتحليل أجزاء معينة منها يشير بشدة إلى أنّه كان يعمل على الآلات الأصلية مباشرة.  وفي إحدى الرسومات يظهر ("العنق الكبير") أو [collo grande]، وهي آلة صنعها برونيلسكي في 1421، وقد عملت كرافعة رئيسية لرفع الأحجار المجهزة، وغيرها من المواد الثقيلة إلى قمة الكاتدرائية. وميزتها بالتحديد هي آلية نقل للحركة الشيء الذي يعني أنّ بمقدور الرافعة أن تقوم برفع أو إنزال المواد بدون أي حاجة للدواب لدى قاعدتها لتغيير اتجاه دورانها. وهنالك رسم آخر يظهر فيه برونيلسكي وهو يدير الرافعة، المصممة لتوفير طريقة دقيقة ومتزنة لوضع الأحجار المعدّة أثناء بناء القبة. ورسم آخر به رسومات تمهيدية دقيقة لرافعة تسير على خطوط دائرية. كل هذه الأجهزة كانت ذات صلة مباشرة برفع ووضع الكرة النحاسية. 
 
كاتدرائية فلورنسا، منظر للقبة، والمنارة والكرة
وفي إحدى الصفحات المكتوبة في أواخر ثمانينيات القرن الخامس عشر، وبالتفكير في منظومة هجوم بحري، كتب ليوناردو أنّ عليه " صنع قالب لواحد من البراغي الموجودة في إوبرا سانتا ليبراتا". 
 
دراسة تقنية لرافعة برونيليسكي القلاّبة
ويستطيع المرء اليوم أن يقوم برحلة للحج إلى قاعدة منارة القبة. فهنالك سلّم من 463 درجة حجرية تقود إلى الأعلى من مدخل يقع في الجزء الجنوبي من جناح الكنيسة، منفصلاً قليلاً عن حافة القبيبة- حيث يتسنى للمرء السير مروراً بالأقدام التي تنتعل الصنادل وحواشي الثياب المصطفقة في جدارية الدينونة الأخيرة- ثم يلتف ما وراء التكسية الخشبية للقبيبة ليشرف على المدينة من علٍ، وبانبساط سطح سقف المبنى المركزي القديم، والشوارع تبدو كما لو أنّها تشعّ عبرها مثل أسلاك عجلة دراجة تدور ببطء. ويمكن للمرء رؤية خط جادّة غيبلينا حيث كان موقع الورشة، والبرج المدبب الطويل لباديا يشير إلى موقع مكتب السير بيرو، ثم بالنظر شمالاً نجد المكعب الحجري الضخم لقصر ميديشي، ما يزال يبدو كما لو أنّه قد استقر للتو في مكانه. 
وهنا يقف ليوناردو في يوم ما في بداية صيف عام 1471. يستشعر المرء عظمة المناسبة بالنسبة له- في جزء منها غبطة مما يشبه تحليق الطيور، وفي جزء آخر شعور بقوى التكنولوجيا البرونيليسكية، والسحر الدقيق الذي تنطوي عليه، والذي يستطيع دفع هذا الجسم المقاوم للجاذبية لغاية منتصف الطريق بين الأرض والسماء. إنّها إحدى لحظات عصر النهضة المفعمة بالإلهام. 
 
 
------------------------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
تأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)

      ليوناردو دافنشي: رحلات العقل   6-  على المنارة   في عام 1470 أو بدايات 1471 قام الرسام الفلورنسي المغمور بياجو دا انطونيو توكشي برسم لوحة توبيا ورؤوساء الملائكة الثلاثة، وهو شكل آخر في موضوع توبياس ذي الشعبية الكبيرة، وهو من المواضيع التي تناولها فيروكيو وليوناردو أيضاً.  من خلف الأشخاص تبدو فلورنسا بمناظرها المعتادة – الأسوار والروابي، وفي وسطها قبة الكاتدرائية العظيمة.  إنّه تقليدي لدرجة كبيرة، أما ما رسمه بياجو فهو ما رآه فعلياً، وما رآه كان سقالة أكثر طولاً وتعقيداً حول المصباح الرخامي على قمة القبة. وعليه أصبحت اللوحة تسجيلاً بصرياً فريداً للمسة النهائية التي وُضعت على القبة. البنية الرئيسية للقبيبة كانت قد أكتملت قبل حوالي خمسين سنة على يد برونيليسكي – "  تتحدى السماء نفسها" كما عبر فازاري بقوة-  ولكنها لم تتوج بالكرة السلطانية والصليب الواردين في التصميم الأصلي الذي وضعه برونيليسكي. وقد تم تكليف فيروكيو ومعاونيه، وإن استطاع المرء أن يستخدم نوعاً من العدسات السحرية المكبرة للنظر إلى لوحة أوتيلي فربما لاحظ بعض الأشخاص المعينين، على قمة السقالة، والتي قد يكون من بينها شخص ليوناردو دا فينشي مساعد فيروكيو.  وقد تم منح هذا العقد المهيب إلى فيروكيو من قبل قسم الأشغال بالكاتدرائية [fabbriceria] في شهر سبتمبر من عام 1468. وفي فصل الربيع من السنة التالية غادر إلى مدينة البندقية و تريفيزو لشراء النحاس جيد النوعية اللازم لصنع الكرة السلطانية. وقد كان قطر الكرة أو كما يسمونها [Palla] يبلغ 8 أقدام، وتزن أكثر من طنين.  وبحسب فازاري فإنَّ عملية الصب " تطلبت الكثير من الحرص والإبداعية حتى يصبح بالإمكان دخول الكرة من تحتها، وتحصينها من أضرار الرياح". وعلى الأرجح كان قالبها هو ال"الكرة" المذكورة في قائمة جرد مقتنيات فيروكيو التي تركها بعد موته. وفي 27 مايو 1471 تم رفع الكرة على قمة المصباح الرخامي الذي يعلو القبة، على ارتفاع 350 قدماً فوق الأرض. وقد ذكرت سجلات الحسابات الخاصة بأوبرا القبة عملية سداد مبلغ ليرتين " لشراء خبز ونبيذ للعمّال عندما يضعون الكرة". فقد استغرقت عملية تركيبها وتأمينها في قاعدتها الحجرية ثلاثة أيام، وفي اليوم الثلاثين من شهر مايو تم وضع الصليب من فوقها. وكان العطار لوقا لاندوتشي يقف بين الحشود التي كانت تراقب في الأسفل: " لقد وضعوا الصليب على الكرة المذكورة، وقد صعد الكهنة ومعهم نفر كثير إلى الأعلى وأنشدوا ترنيمة [لك المجد يا رب "Te Deum"] هناك." وقد ذكرت القصة سداد مبلغ 3 ليرات "لعازفي الأبواق التابعين لقصر الشعب [أو قصر السيادة]... وذلك لما بذلوه من جهد عندما عزفوا على المنارة لحظة وضع الصليب."   أما ليوناردو تحديداً فقد كان له علم بالمشروع والمشاكل الهندسية المتعلقة به. وقد وجدت بين طيات أحد كراساته ملاحظة تتضمن تذكيراً معيناً: " تذكر أدوات اللحام التي استخدمت في تثبيت الكرة على كنيسة القديسة ماريا ديل فيوري".  وتعود هذه الملاحظة إلى عام 1515، عندما كان مشتركاً في مشروع لصناعة المرايا الإهليلجية، والتي تصنع عن طريق لحام عدد من الأوجه مع بعضها. لقد كان ينظر إلى الوراء إلى أكثر من أربعين عاماً تجاه ذلك المشروع الفلورنسي المثير للدوار والذي ساهم هو في تنفيذه عندما كان شاباً صغيراً.  وليس من الممكن بكل تأكيد إثبات أنَّ ليوناردو كان جاثماً هناك على تلك السقالة العالية فوق أسطح سقوف مباني فلورنسا، "متحدياً السماء نفسها". ولكن في أي مكان غير هذا نتوقع أن نجده؟ جذب هذا المشروع ليوناردو إلى مقربة من العمل الشخصية الأسطورية لفيلبو أو (بيبو) برونيلسكي، العقل المدبر لمعمارية القبة، والذي فعل الكثير لصنع مكانة جديدة لمهندسي معمار عصر النهضة. لقد كان رجلاً صغير الحجم، دميماً، ومناضلاً: لقد كان "ذا هيئة متواضعة" يقول فازاري " ولكنه ذو نبوغ فائق لدرجة أنَّ بإمكاننا الجزم بأنّه قد أدخل إلى الجنة". وحكاية البيضة الشهيرة لخصت ذوقه المثير للاستفزاز. ففي المنافسة لبناء القبيبة، علمنا أنَّ برونيلسكي رفض أن يفصح عن خططه، ولكنّه فاز بالمنافسة بنوع من الرهان أو الجرأة. فقد قال" كائناً من كان إن استطاع أن يجعل بيضة تقف على أحد أطرافها فوق سطح مستوٍ من الرخام، فإنّه لن يعجز عن بناء القبيبة، إذ أنّه سوف يبين لنا-بذلك- مدى ما حازه من عبقرية". وقد جُلبت البيضة وفقاً للاتفاق، وحاول الخبراء المتنافسون عبثاً أن يجعلوها تقف على أحد أطرافها. عندها تقدم هو و" أخذ البيضة بكل رفق وضغط حافتها السفلى على الرخام وجعلها تقف منتصبةً." احتج الآخرون بأنّهم "كانوا ليفعلون الشيء نفسه،" ولكن ضحك فيلبو وقال " إنّهم كانوا ليصممون القبيبة هي الأخرى لو رأوا نماذجه."  وربما كانت هذه الحادثة ملفقة على الأرجح، ولكن المزيج الذي يتخللها من الاستعراضية والأصالة( وهو الشيء الذي قد نسميه جميعاً "التفكير الجانبي") لهو صحيح، كما لو كان هنالك دافع قوي من السرية المهنية. لقد كان مصاباً بالمخاوف- وهذا له ما يبرره في كثير من الأحيان- من القرصنة وسرقة الأفكار- وهي ميزة برونيلسكية أخرى ورثها ليوناردو.  وتظل القبة واحدة من عجائب العمارة الأوربية- فهي ما زالت هنالك، بعد حوالي ستمائة عام، أكبر بناءٍ لقبة في العالم. ووفقاً للتقديرات الحديثة فهي تضم حوالي  4 ملايين لبنة وتزن حوالي 36000 طناً، وقد بنيت بدون "استخدام قالب القنطرة الخشبي" (هيكل من الخشب لدعم البناء). وهي في الحقيقة قبتان، واحدة تضم أخرى: الكبرى تمتد إلى حوالي 180 قدماً من أحد أطرافها إلى الطرف الآخر. وكل قبة تم تشكيلها من ثمانية قطاعات قوسية ذاتية الدعم، وقد تم بناؤها بالتزامن ودعِّمت بإطارات دائرية.  وقد كانت إحدى اختراعات برونيلسكي هي حمالات السلامة: وقد سقط واحد فقط من البنائين ميتاً أثناء بناء القبة- وهو رقم قياسي بمعايير يومنا هذا.  أثار وضع كرة أو جسم كروي يزن طنين على قمة القبة، عدداً من المشكلات الهندسية التي لم تختلف كثيراً عن تلك التي واجهها برونيلسكي من قبل- وبشكل أساسي كيفية رفعها إلى هناك. مشاركة ليوناردو في المشروع أتاحت له فرصة التعامل بصورة مباشرة مع ورشة الكاتدرائية، وتصميمات برونيليسكي المشهورة للروافع والنواقل. وقد سجلت الدراسات الأشكال النهائية وبعض تفاصيل أجهزة برونيلسكي التي ضمن حزمة من رسومات ليوناردو في مخطوطة اتلانتكس، وهي تعود بشكل عام في تأريخها إلى أواخر سبعينيات القرن الخامس عشر، ولكنها على الأرجح عكست هذه المشاركة المبكرة في الهندسة الكاتدرائية. وقد وجدت هذه الآلات ذاتها في مفكرات مهندسي عصر النهضة الآخرين، ولكن الطريقة التي قام بها ليوناردو بعزل وتحليل أجزاء معينة منها يشير بشدة إلى أنّه كان يعمل على الآلات الأصلية مباشرة.  وفي إحدى الرسومات يظهر ("العنق الكبير") أو [collo grande]، وهي آلة صنعها برونيلسكي في 1421، وقد عملت كرافعة رئيسية لرفع الأحجار المجهزة، وغيرها من المواد الثقيلة إلى قمة الكاتدرائية. وميزتها بالتحديد هي آلية نقل للحركة الشيء الذي يعني أنّ بمقدور الرافعة أن تقوم برفع أو إنزال المواد بدون أي حاجة للدواب لدى قاعدتها لتغيير اتجاه دورانها. وهنالك رسم آخر يظهر فيه برونيلسكي وهو يدير الرافعة، المصممة لتوفير طريقة دقيقة ومتزنة لوضع الأحجار المعدّة أثناء بناء القبة. ورسم آخر به رسومات تمهيدية دقيقة لرافعة تسير على خطوط دائرية. كل هذه الأجهزة كانت ذات صلة مباشرة برفع ووضع الكرة النحاسية.    كاتدرائية فلورنسا، منظر للقبة، والمنارة والكرة وفي إحدى الصفحات المكتوبة في أواخر ثمانينيات القرن الخامس عشر، وبالتفكير في منظومة هجوم بحري، كتب ليوناردو أنّ عليه " صنع قالب لواحد من البراغي الموجودة في إوبرا سانتا ليبراتا".    دراسة تقنية لرافعة برونيليسكي القلاّبة ويستطيع المرء اليوم أن يقوم برحلة للحج إلى قاعدة منارة القبة. فهنالك سلّم من 463 درجة حجرية تقود إلى الأعلى من مدخل يقع في الجزء الجنوبي من جناح الكنيسة، منفصلاً قليلاً عن حافة القبيبة- حيث يتسنى للمرء السير مروراً بالأقدام التي تنتعل الصنادل وحواشي الثياب المصطفقة في جدارية الدينونة الأخيرة- ثم يلتف ما وراء التكسية الخشبية للقبيبة ليشرف على المدينة من علٍ، وبانبساط سطح سقف المبنى المركزي القديم، والشوارع تبدو كما لو أنّها تشعّ عبرها مثل أسلاك عجلة دراجة تدور ببطء. ويمكن للمرء رؤية خط جادّة غيبلينا حيث كان موقع الورشة، والبرج المدبب الطويل لباديا يشير إلى موقع مكتب السير بيرو، ثم بالنظر شمالاً نجد المكعب الحجري الضخم لقصر ميديشي، ما يزال يبدو كما لو أنّه قد استقر للتو في مكانه.  وهنا يقف ليوناردو في يوم ما في بداية صيف عام 1471. يستشعر المرء عظمة المناسبة بالنسبة له- في جزء منها غبطة مما يشبه تحليق الطيور، وفي جزء آخر شعور بقوى التكنولوجيا البرونيليسكية، والسحر الدقيق الذي تنطوي عليه، والذي يستطيع دفع هذا الجسم المقاوم للجاذبية لغاية منتصف الطريق بين الأرض والسماء. إنّها إحدى لحظات عصر النهضة المفعمة بالإلهام.        ------------------------------------------------  ليوناردو دافنشي: رحلات العقل تأليف: تشارلز نيكول ترجمة: أميمة حسن قاسم محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات. بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة صفحتنا الرسمية في فيس بوك : https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/ منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا  https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar (جميع الحقوق محفوظة) , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 10 - البحر الكبير
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 9 - مطاردة الليل
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 5 - المرض،الخيانة، المرايا
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 6 - آخر الرحلات إلى فلورنسا
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 3 - المعمدان وباخوس
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 4 - الطــــــوفان
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - الجزء الثامن - الأعوام الأخيرة 1513 - 1519