Arabic    

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 4 - تعلُّم الصنعة


2019-04-29
اعرض في فيس بوك
التصنيف : رحلات عقل

 

 

 

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
4- تعلُّم الصنعة
يتمنى الكثيرون أن يتعلموا كيف يرسمون، ويستمتعون بالرسم، ولكنهم لا يمتلكون المهارة الحقيقية لفعل ذلك. ويظهر هذا في افتقارهم إلى المثابرة، مثل الصبية الذين يرسمون كل شيء على عجلٍ، لا يكملون رسمهم ولا يضعوا الظلال..
مخطوطة باريس، و ص 25.
 
وبينما كان يعمل كمساعد صغير أو خادم في المرسم، وربما كمثَّال، كان ليوناردو هو الآخر تلميذاً أو متدرباً، يتلقى تعليمات محددة من المعلم اندريه. ويعطينا العقد المحرر في 1467 فكرة عن ماهية التدريب المتوقع الحصول عليه. وفيه يتعهد الرسام البادوفي فرانسشكو اسكواتشوني، بتدريس تلميذه "أسس فضاء الرسم، ورسم خطوط عليه وفقاً لطريقتي" وكيفية " وضع الأشكال على الفضاء المذكور" و "وضع الأشياء هناك، مثل مقعد ما، أو أريكة، أو منزلٍ"، وكيفية رسم رأس رجلٍ بتصغير مع مراعاة تساوي الأبعاد، "و "نظام الجسد العاري".   وعليه فإنَّ التلميذ سيتعلم إلى درجة كبيرة أساليب المنظور ورسم الأشكال. ويعد سكواتشوني أيضاً ب" أن يدربه بشكل عملي،" و"يزوّده بالمُثل [النماذج]". وهذه "المثُل" قد تكون رسومات سكواتشوني نفسه، مثلها مثل الأشياء والأشخاص الحقيقيين. يمضي التلميذ وقتاً طويلاً في النقل من "كتاب الأمثلة" الذي يزوده به المعلم. 
كانت الأوراق باهظة الثمن، وقد تدرب التلاميذ أيضاً باستخدام لوحات خشبية مبطنة وقلم ذي سِنٍّ معدني. وفي دليله الشهير " كتاب الفنون"، يوصي شنينو شنيني " بلوحة صغيرة من خشب البقس، مساحتها تسع بوصات مربعة". ويجب أن تُصقل بأداة من عظم الحبار مثل التي يستخدمها صائغ الذهب"، ثم تغلف برماد العظم المبلل باللعاب: واستخدم عظام الدجاج لتصنيع الرماد، يوصي هو، " فقط كما تجدها تحت المائدة".  وأول رسومات ليوناردو على الورق تبين استخدامه قلماً ذا سِنٍّ من الرصاص أو الفضة، يستخدمه عادةً قبل مرحلة التحبير.   
كان فن التصميم الهندسي- Disegno- هو الأساس لهذا التعليم الفني. وقد أكد فازاري على هذا، وهو الذي يحدد أنَّ سير بيرو هو الذي دبّر لليوناردو أمر "دراسة الرسم" هذا مع فيروكيو، وقد أكد ليوناردو هذا الأمر بنفسه عندما أصبح معلماً وله تلاميذه. وبحسب باولو جيوفو، " فإنّ ليوناردو لم يكن ليسمح للصبية الذين لم يبلغوا العشرين من العمر أن يضعوا أيديهم على الفراشي والألوان، ويسمح لهم فقط بالتدريب مستخدمين أقلام الرصاص، متبعاً بجدٍ أفضل ما وضعه الرواد القدماء، ومحاكياً قوى الطبيعة وملامح الجسد بأبسط الخطوط."  ومن المستبعد أن يكون هذا الشيء انعكاساً لتدربه في مرسم فيروكيو التجاري المزدحم- فليوناردو بدون شك كان يرسم ويلون قبل أن يبلغ العشرين- ولكنّه صدىً للدراسة الصارمة لفن رسم التصميمات الهندسية باستخدام سَنٍّ معدنية، الذي تعلّمه من فيروكيو. فقد كان لديه معلم له من الفضل ما سيكون له هو كمعلِّم: ربما كان فيروكيو هو أفضل مصمم هندسي بين مجايليه في فلورنسا. وقد تضمنت مجموعة فازاري الشهيرة بعض أعمال فيروكيو، " منفذةً بأكبر قدر من الأناة والبراعة"، ومن بينها " عدة رؤوس أنثوية ذات شعر جميل وتقاسيم رائعة، والتي كان ليوناردو يحاكيها دائما لجمالٍ فيها". وقد نجت أمثلة كثيرة على تلك التصميمات. وعندما يستخدم فازاري المفردة "دائماً" فهذا ليس مجازاً: فقد انعكس تأثير لوحة لفيروكيو بالطباشير الأسود في المتحف البريطاني بشكل كبير في رسومات ليدا التمهيدية، والتي رُسمت بعد ذلك بثلاثين عاماً.   وقد اقتنى فازاري هو الآخر بعضاً من رسومات ليوناردو، بما فيها الدراسات المبكرة لتصميم الأزياء، والتي أجراها على الكتّان، والتي يصفها كجزء من تمارين ليوناردو كمتدرب على الرسم: " لقد صنع نماذج طينية، ولفّ التماثيل بقطع القماش المبللة بالصمغ، ورسمها بعناية فائقة على قطعة من نسيج الريمز أو بطانة معّدَة لذلك الغرض. وقد تم تنفيذ هذه الرسومات باللونين الأبيض والأسود، وبرأس الفرشاة، ولكن كانت النتائج رائعة جداً، كما هو واضح للرائي من خلال الأمثلة التي أوردتها في كتابي حول الرسومات." وقد نجا قدر كبير من الدراسات المبكرة لتصميمات الأزياء. ويمكن أن ينسب بعضها إلى الأزياء التي ظهرت في بشارة أوفيزي، والتي كانت من أقدم لوحات ليوناردو المكتملة على الأرجح (1470-1472 للميلاد).  وهنالك رسم يوجد في كلية كنيسة المسيح، في أكسفورد، يمثل دراسة لكمِّ الملاك في لوحة البشارة؛ إنه جزء من صفحة أكبر والتي من المرجح أنّها اشتملت في وقت ما على رسم أوَّليٍّ لرأس (ربما رأس الملاك)، وبعض الآثار لشعر طويل أجعد كان بادياً في الهامش الأيمن. ويمكن مقارنة الكمِّ أيضاً بكمِّ ملاك سان جينارو،وهو تمثال طيني صغير نُسب في الآونة الأخيرة إلى ليوناردو. (لوحة 8 ).
وتمثل عبقرية ليوناردو بهذا الخصوص نبوءة للرسام الذي ينتمي للمدرسة النمطية، والذي ينتج كثيراً من الأزياء. " لقد اعتبرها أكثر من مجرد تمرين أكاديمي" يقول اليخاندرو فيتزوسي: لقد" أخرج كل ما فيه من قوة وتجريد." وتضخيم هذه الدراسات في تصميم الأزياء يبدو مثل نسخ من الصخور والجبال التي تظهر في لوحاته اللاحقة للمناظر الطبيعية. واستمر تدريبه بهذا الموضوع: هنالك فصل في كتابه أطروحة حول التلوين بعنوان: " حول الملابس، والدرابيات والطيات". ويجب أن تناسب السترة الجسم ولا تبدو ككومة من الملابس الجوفاء"- وبالتالي " سترة مسكونة". ويواصل سرده لتوضيح للفروق المرئية: 
 
واحدة من دراسات ليوناردو للأزياء على بطانةٍ.
الأقمشة الرقيقة، والسميكة والجديدة والقديمة، وذات الطيات المنقطعة، والطيات الكاملة؛ والكشكشة الدقيقة، والمظللة، والأقل تظليلاً، والمنعكسة وغيرها، السريعة والحائرة، وفقاً لوضعياتها، وألوانها، واقمشتها وفقاً للرتبة، والطول والقصر،والطيران والثبات وفقاً للحركة مثل أن تلتصق بالجسم، أو أن تتحرك إلى الأعلى أو إلى الأسفل. 
واحدة أخرى من رسومات ليوناردو الأولى، تشير إلى أنّ لوحة البشارة ما هي إلا دراسة لإحدى الزنابق.(لوحة 3). وقد نُفذت برقة بالطباشير الأبيض والأسود ثم تمت التمشية عليها بالقلم والحبر، مع إعطائها بعض القوة بلمسة من اللون البني هنا وهناك مع الأبيض. فهي تشبه الزنبقة في لوحة البشارة، ولكنها ليست دراسة فعلية لها إذ تميل إلى اتجاه آخر. فهي تبدو أقرب إلى الزنبقة في لوحة فيروكيو السيدة العذراء والطفل مع اثنين من الملائكة (المعرض الوطني، لندن)، ولكن تم قص اللوحة ويبدو فقط الجزء الذي يحتوي على الزهرة. 
وفي الرسم بعض الخطوط الشاحبة في الثلث الأسفل من الورقة، والذي تصعب ملاحظته في النسخة المقلدة: تبدو هذه كدراسات هندسية للمنظور، الشيء الذي يصبّ في إطار دعم سياق التلمذة التي تم في ظله تنفيذ هذا الرسم. 
وقد كانت النمذجة  باستخدام الطين والصلصال، جزءاً آخر من أجزاء منهج التلمذة. يقول فازاري " صنع ليوناردو في شبابه عدة رؤوس لنساء ضاحكات من الصلصال، لا يزال الصمغ المصبوب لها صالحاً، مثلها مثل بعض رؤوس الأطفال التي بدت كما لو نفذها فنان ناضج". ولم يتبق أي أثر لأي من " النسوة الضاحكات"، لكنْ توجد عدة رؤوس للملائكة الصغار في منحوتات فيروكيو التذكارية، ليس هنالك أي شيء يشير بأنّ ليوناردو قد صنع أياً منها.  
وقد كانت بدايات مهنة ليوناردو كنحات غامضةً. فهنالك رأس جميل من الطين، والمسيح في صباه [Cristo Giovanotto](انظر صفحة 122)، والذي يعتقد أنّه من أعماله، بيد أنَّ الآراء تتباين حول ما إن كان من الأعمال الأولى أم من أواسط تسعينيات القرن الخامس عشر؟ (لأنّه يرتبط على نحوٍ ما ببعض الدراسات لتلاميذ العشاء الأخير). وقد يكون هو "الرأس الأخير" الذي اقتناه جيوفانّي باولو لوماتسو لاحقاً: 
لقد كان لدي أيضاً رأس صغير من الطين للمسيح عندما كان صبياً [fanciullo]، منحوت بيد ليوناردو دا فينشي ذاته، والذي يرى فيه المرء بساطة ونقاء الصبي، معاً بالإضافة إلى شيء ما يضفي بعض الحكمة، والعقل والجلال. لقد كانت له نفحة ربما رقة الشباب، ولكنه بدا كبيراً وحكيماً أيضاً. 
كانت للوماتسو أشياء مثيرة للاهتمام ليقولها في حق أعمال ليوناردو كنحَّاتٍ، لأنّه رأى مخطوطة- فُقدت الآن- يتحدث فيها ليوناردو عن علاقة النحت "الأخوية بالتلوين" ويقول، " لقد كانت لي بهجة فيه، وما زالت لي بهجة فيه." مستشهداً بصفته "شاهد" لهذه الجهود المتنوعة كمثّالٍ- "الأحصنة، والأرجل، والرؤوس، والبشر أيضاً [على سبيل المثال الحي] رؤوس سيدتنا-العذراء- والأعمال التي تصور المسيح في طفولته بالحجمين كليهما الكامل والنصفي، والعدد الكبير من رؤوس الشيوخ المسنين."   هذه القطعة –(تفترض أنَّ لوماتسو يتحدث عن المخطوطة المفقودة بكثير ثقةٍ) تجعل المرء ينظر بالمقابل إلى القائمة المشهورة في مخطوطة اتلانتكس، المؤرخة في 1482، والتي يسرد فيها ليوناردو عدداً من الأعمال التي أكملها قبل مغادرته إلى ميلانو. وبعض "رؤوس هؤلاء الشيوخ"، "كثير من الأجساد الكاملة العارية،" "كثير من السيقان، والأقدام، والقسمات [attitudini]- ربما كانت منحتوتات، أو نماذج طينية أكثر منها رسومات. 
 
رسم جانبي بقلم ذي رأس حديدي لمحارب، ربما تم تنفيذه على أساس أحد أعمال النحت الغائر لفيروكيو. 
ولقد تعلم أيضاً أساليب القولبة والنحت الغائر (rilievo). وهنالك زوج من الملائكة من أعمال الطين بطريقة النحت الغائر في اللوفر، والتي كانت من منتجات ورشة فيروكيو دون شك. وقد نسبت في وقت ما إلى ليوناردو بسبب التشابه بينها وبين الملاك المرسوم في لوحة معمودية المسيح. ويذكر فازاري نحتاً غائراً على البرونز بيد فيروكيو، يظهر فيه الإمبراطور الفارسي الجبار داريوس؛ وهي الآن من المفقودات، ولكنها أيضاً من الأعمال المسجلة دون شك في لوحة المحارب الجانبية المرسومة بالسِن الحديدية، وهي الآن في المتحف البريطاني.  
ومن أعماله في دراسات رسم الحياة والمنظور والنمذجة بالصلصال، ينتقل التلميذ أخيراً إلى مهنة التلوين. لا يعرف الوقت الذي بدأ فيه فيروكيو نفسه التلوين على وجه التحديد، ولا هوية من قام بتدريبه. فأول توثيق له كرسام يعود للعام 1468، عندما قام بتقديم تصميمات لسلسلة من أعمال التلوين حول الفضائل السبعة لقصر التجارة، بيد أنّه لا يستبعد أن يكون نشطاً قبل ذلك التأريخ.  وقد كان إنتاج المرسم الرئيسي من لوحات السيدة العذراء والطفل التي يتراوح حجمها بين الصغير والمتوسط. 
كما كانت هنالك الكثير من اللوحات بالأسلوب ذاته والتي أصبحت تدعى الآن الفيروكيّات؛ وتفوقها في العمر لوحته العذبة واللامعة السيدة العذراء للراهب فيلبي ليبي، والتأثير الهولندي من خلاله، فهي تميل إلى الجمال، ولكنها أيضاً ذات حسٍ متين من الحجم والحركة المتأثرين بأعمال فيروكيو كنحّات. أما على أساس أساليبي، فلوحة مادونا والطفل أحد الأعمال النصفية الصغيرة والموجود في برلين، ويعتبر من أقدمها، ويعود تأريخه إلى 1468. الأمثلة الأخرى هي لوحة العذراء تقدّس الطفل المسيح في إدنبرة، والعذراء والطفل واثنان من الملائكة في المعرض الوطني بلندن، وسيدة البحر في الأكاديمية، بفلورنسا، وعذراء الرمان بواشنطن العاصمة، وعذراء الإكليل بميونخ. معظم هذه اللوحات تعود بتأريخها إلى أواسط سبعينيات القرن الخامس عشر. وجميعها أعمال لوحية، منفذة على الخشب؛ ولم تكن الأقمشة مستخدمة بعد في التلوين، وليس هنالك ما يدل على أنَّ فيروكيو وشركاه قد تعهدوا بأية أعمال جصيّة، الشيء الذي كان من اختصاص متجر غيرلاندايو. 
ولكن وقبل وقت طويل من وضع ليوناردو الفرشاة على اللوحة كان لينهمك في آليات التلوين الأساسية. فلا بدّ من أنّه كان يعرف شيئاً حول ملاءمة مختلف أنواع الخشب للوحات- الحور، الجوز، الكمثرى، وشجرة الغبيراء، وقد كانت شجرة الحور من بين جميع هذه الأشجار هي عماد المرسم، خاصة النوع الأبيض المعروف في إيطاليا باسم غاتيشي[Gattice]، وهو نوع رخيص، وخشبه سهل الاستخدام، ولذلك يكثر طلبه لدى النجّارين والمشتغلين بالخشب. ولقد تعيَّن عليه تعلّم كيفية إعداد مختلف أنواع الجبس، والطلاء الأبيض المصنوع من الجبس والذي كانت تغلف به الألواح، بحيث يشكل الخلفية التي ستوضع عليها الألوان: الطبقات الأخيرة من الجبس الناعم الرقيق تكون على سطح أملس، أبيض ساطع ذي قابلية ضعيفة للامتصاص. وقد جرّب ليوناردو على مر السنين أنواعاً أكثر تعقيداً حتى من الجبس المصنوع بمواصفات خاصة: 
غلِّفْها [اللوحة] بالصمغ والتربنتين الأبيض المقطّر للمرة الثانية... ثم اعطِها طبقتين أو ثلاثاً من ماء الحياة  الذي قمتَّ بحلِّه في الزرنيخ، أو أي مذيب آخر للتحليل. ثم استخدم زيت بذر الكتان المغلي بطريقة تضمن نفاذه إلى كل جزء فيها، وقبل أن يبرد تماماً امسحه جيداً بقطعة من القماش لتجفيفه. وفوق هذا قُمْ باستخدام طلاء أبيض سائل باستخدام عودٍ، ثم اغسلها بالبول. 
وعليه فإنَّ اللوح المعدّ يصبح جاهزاً للخطوة التالية للعملية: نقل الرسومات التمهيدية إلى السطح الأبيض البكر. وكثيراً ما يُستخدم رسمٌ بالحجم الكامل للعمل كله: "ورق الكرتون"، من الكارتون الإيطالي، وهو فرخ كبير من الورق، حيث الخطوط العريضة للرسم قد "حُفرت" عليها ثقوب صغيرة، يرى المرء هذه الثقوب على عدد كبير من الرسومات. وتثبت قطعة الكرتون بشكل مسطح على اللوح، ويتم تغطيتها بمسحوق الفحم أو الذرور. وهي عملية معروفة باسم "الصقل" (بالإيطالية spolveratura)؛ فالصقل يفسد "الذرور". يمر الغبار من خلال ثقوب الرسم ويترك أثراً على اللوحة، والتي أصبحت الآن جاهزة للتلوين. 
التقليد الذي كان يعمل من خلاله ليوناردو في البداية، كان هو التلوين بالصبغة، بيد أنّ التلوين بالزيت سرعان ما أصبح الوسيلة السائدة الجديدة. الصبغة هي أي نوع من عناصر التغطية والتي "تصبغ" مساحيق الألوان وتجعلها قابلة للاستخدام، ولكن هذه المفردة كانت تشير إلى صبغة البيض دون غيرها في القرن الرابع عشر: الألوان الممزوجة بمِحِّ البيض الطازج (أو بياضه لإضفاء بعض الإضاءة على المخطوطة) ويخفف بالماء. صبغة البيض تجف في الحال في أغلب الأحيان، بيد أنَّ العديد من الدرجات تكون أضعف بعد أن تجف، وهي قوية وتدوم طويلاً. ودوائر فلورنسا الجصّية، وأعمال مازاتشو في كنيسة كارمين، وغوزولي في قصر ميديتشي، وغيرلاندايو في كنيسة سانتا ماريا نوفيل- كلها لوِّنت على الجصِّ (على الجصِّ المبلل حديثاً) باستخدام الصبغة. ولا ننسى الدجاج الذي ينتج البيض اللازم لما تنتجه الورشة الدائبة من تصاوير عند ذكر ما يمكن أن نصادفه بالورشة من أصوات وروائح. 
كانت لوحات الزيت قد بدأت بالفعل- وهو أسلوب وافد من هولندا- ولكنه ما زال مستخدماً في اللمسات النهائية، وتعديل طبقة الصبغة الباردة بغلاف غنيٍ شفاف أو صقيل. لقد كانت تقنية للزينة تضاف إلى الأعمال المصبوغة.  
فليوناردو ذو براعة تقنية فائقة: فقد بدأ من خلال تقليد الصبغة، ولكنه سرعان ما تحمّس لغنى ألوان الزيت، والتي أجاد العمل بها وأتقنه. لقد أدرك الدقة في النمذجة، والظلال التي تقدمها ألوان الزيت. إنِّ سرعة جفاف الصبغة يعني أنّ عليك تصوير الظلال بالخطوط (عن طريق "التظليل" و"التظليل المعارض")، ولكن مع ألوان الزيت كان هنالك بعدٌ جديدٌ للعمل بالفرشاة على طبقات، يتسنى معه تحقيق عمق الدرجة والتعقيد البصري- تلك اللمحة "الدخانية" أو sfumato))، والتي هي واحدة من علاماته الفنية. ولم تكن هنالك أية ضرورة للاستعجال مع أسلوب ليوناردو الذي ينشد الكمال. 
يجب أن يكون المتدرب مثقفاً في مجال الألوان أيضاً- والمواد المنتجة لها، وطريقة تحضيرها، والآثار الناتجة عن مزجها. وتأتي بعض الألوان من أنواع التربة المحلية (المغرة الصفراء، البني المصفر، والسيانا)، وتأتي بعضها من النباتات (الأسود النباتي)، وبعضها كانت نتاجاً لتفاعلات كيميائية ضارة ولكنها بسيطة إلى حد كبير(الرصاص الأبيض، سبيكة الرصاص والقصدير الصفراء). وتوفر هذه المواد أسساً عملية للوح ألوان الرسام. المزيج التقليدي لدرجات العضلات كان الأصفر من أكسيد الحديد، والأسود النباتي، والرصاص الأبيض، ويدعو شينينو هذا المزيج "فيرداتشو" . 
أما التدرجات اللامعة التي يسعى إليها الرسام وعملاؤه، فتحتاج إلى مواد أكثر ندرة. وقد كانت الصبغة السائدة في اللوحات الإيطالية القديمة هي اللون الأزرق المشرق الشاعري المسمى لازورد، ويصنع بطحن الحجر اللازورد: الكلمة اللاتينية Lazulus  مشتقة من الفارسية لاجوردي. وهذا الحجر يتكون طبيعياً من الرمل المشبع بالكبريت. كلمة "ultramarine" تبدو كما لو أنّها توحي باللون الأزرق الأكثر قوة من زرقة البحر، ولكنه ببساطة يعني أنّه جاء من وراء البحار. فهو مستورد، وباهظ بشكل مخيف، وعليه أصبح كلمة موازية للقيمة، وبالتالي للفخامة، في لوحة ما. لقد نصّ عقد لوحة غيرلاندايو تبجيل المجوس (1482) على:" ينبغي أن يكون اللون الأزرق وراء-بحري وتعادل قيمته 4 فلورينات للأوقية"- لكنْ هذا النوع من المقاربات كان آخذاً في التلاشي والبدائل الأقل تكلفة مثل الأزرق البروسي والآزوريت أضحت أكثر شيوعاً. 
الأصباغ المعدنية المهمة الأخرى، كانت المرمر الأخضر، والذي استخدم بشكل واسع في المناظر الطبيعية والمروج، والأحمر اللامع القرمزي أو [vermiglio] ، والمستخلص من طحن الزنجفر (كبريتيد الزئبق الأحمر). واشتُقت الكلمة من المفردة اللاتينية vermiculus- وهي دودة صغيرة- نسبة للشبه بين حمرة الزنجفر وحمرة الصبغة المستخلصة من هذه الحشرة[دودة القرمز]. وهنالك حشرة أخرى كانت مصدراً للك [lac/lake]، والتي كانت تضاف لمساحيق التلوين لإضفاء لمعة على الطلاء.  
وتعجُّ الكتب الدليلية الشائعة مثل كتاب شينيو للفنون، ومداخلات غيبرتي بوصفات إنتاج تأثيرات لونية معينة، وهنالك الكثير منها في مخطوطات ليوناردو. وقد كتبت في جزء من مخطوطة أتلانتكس العبارات التالية بأسلوب مزدان بالزخارف ارتبط بكتابات ليوناردو الأولى:-
" خذ  لوناً أخضرَ [المرمر مثلاً] وامزجه بالقار فسيصبح الظل أكثر قتامة. أما للحصول على ظلال أخف، امزج الأخضر مع التراب الأصفر، وللحصول على ظل أكثر خفة، الأخضر مع الأصفر، وللأضواء استخدم الأصفر المحض. ثم خذ الأخضر والعقدة الصفراء معاً، واصقل بها كل شيء. ..لصنع لون أحمر جميل خذ الزنجفر أو الطباشير الأحمر أو أكسيد الحديد المحروق للحصول على ظلال داكنة، وللظلال الخفيفة خذ القرمز والطباشير الأحمر، وللإضاءة الزنجفر النقي، ثم استخدم اللك الممتاز للصقل. 
وهذه المواد الخام تفسر انضمام الفنان لعضوية جمعية فناني ميديتشي، الصيدلة وأسواقها، ونقابة الأطباء، والعطارين والبزازين. فالعطار يتعامل مع المواد الغريبة بكافة أنواعها: تذهب له للبهارات، والعقاقير، والأعشاب، والأشربة، والتركيبات الصيدلانية. والصيدليات الإيطالية من الطراز القديم ما زالت تشير إلى نفسها كعطارين، ومحلات عطارة، وحوانيت توابل. ومن بعض هذه المحلات ذات الروائح اللاسعة يشتري الرسام بهاراته البصرية. وكان الإخوة الرهبان من دير سان غيستو الي مور، مصدراً آخراً للأصباغ. وقد ذكرت الوثائق أنَّ فيليبو ليبي، وبوتيشيلي، وغيرلاندايو ومايكل آنجلو كانوا من العملاء، وكذلك ليوناردو الذي دفع في صيف 1481 4 ليرات مقابل " أوقية واحدة من اللازورد [ِazzuro] اشتراها من الدير" .
لقد كان كل هذا من قبيل المعرفة التقنية اللازمة للرسام المتدرب، ولكن كانت هنالك أنواع أخرى من المعارف اكثر غموضاً ينبغي عليه تعلّمها. فقد كانت الورشة مثلها مثل مصنعٍ أو معملٍ تعج بالفنانين، منتدىً للنقاش والنميمة،  ومنبعاً للأساليب والأفكار الجديدة. لقد كانت هذه هي جامعة ليوناردو غير المتعلِّم. 
وقد كان ساندرو بوتيشيلي أحد الرسامين الذين ارتبط اسمهم بنشأة أسلوب فيروكيو. لقد كان فناناً مستقلاً، ولكنْ أعماله الأولى: مريم العذراء والطفل بدت كما لو أنّها مصبوبة في قالب فيروكيو أو ربما كانت لوحات فيروكيو هي التي صُبّت في قالب بوتيشيلي: ليس لدينا أي علم حول تدرُّب فيروكيو على الرسم، فربما كان له استعداد على الأرجح للتعلم من الفنانين الأصغر سناً، والذين تم تدريبهم من قبل فيلبو ليبي العظيم، والذي أصبح بعد وفاة ليبي في 1469 معلماً لابنه غير الشرعي فيليبينو. ولابد أنَّ لبوتشيلي تأثيراً مهماً جداً على ليوناردو الذي بزغ نجمه كرسام في أواخر ستينيات وبداية سبعينيات القرن الخامس عشر. وهو تأثير قد يستدل المرء عليه من الملاك في لوحة البشارة، والذي به شيء من لمحة جمالية جديدة ترتبط في الأذهان بأسلوب بوتيشيلي. لقد كان يفوق ليوناردو عمراً بسبع أو ثماني سنوات. وقد كان رجلاً يميل إلى القوة وقد أصبح من الموالين لسفانارولا، لكنْ فازاري هو الآخر صوّره كشخص كوميدي عادي. 
وقد ترك ليوناردو بعض التعليقات على معاصريه من الفنانين، ولكنه لم يعلّق على بوتيشيلي. فقد كانت النبرة ناقدة بشكل صادم. فهو يتحدث بشكل منفِّر عن "المناظر الطبيعية الباردة" لبوتيشيلي، ولا بد أنّه يضع في اعتباره غابات بوتشيلي الأسطورية الخيالية عندما يقول، " لا ترسم- كما يفعل الكثيرون- كل أنواع الاشجار، وحتى إن كانت على ذات المسافة، بالدرجة نفسها من الخضرة." وتوجد مناظرة أخرى في شكوى ليوناردو الكوميدية حول الافتقار إلى "الحشمة" في لوحة البشارة: " لقد رأيت قبل بضعة أيام خلت صورة لملاك ينقل البشارة، وقد بدا لي مطارداً سيدتنا إلى خارج الغرفة، بحركات مسيئة من النوع الذي يجوز أن يظهره المرء تجاه عدو مقيت، وسيدتنا بدت كما لو أنّها كانت سترمي بنفسها في استماتة من خارج النافذة."  وتشير هذه العبارات على الأرجح إلى لوحة البشارة التي رسمها بوتيشيلي لمعبد عائلة غاردي حوالي عام 1490، حيث كان من الجائز أن يرى الشخص الملاك وهو يجثم على السيدة بعدائية، لكنْ هذا تأويل يشوبه العوار. وهنالك نقد لاذع مشابه يوجد في مذكرة حول المنظور تبدأ كالتالي: " ساندرو! أنت لا تخبرنا لِمَ هذه الأشياء التي تأتي في المستوى الثاني أكثر انخفاضاً من التي تليها." وهذا القول يشير إلى لوحة ميلاد المسيح الروحي لعام 1500، حيث تبدو مستويات هرمية للملائكة الذين قد رسمت أشكالهم بلا اتساق مع قاعدة المنظور.  ويبدو كل هذا اللوم غير مسبوقٍ. ربما كان له جذور تتعلق بعلم النفس: رغبة لإطفاء تأثير مبكر، ولتمييز نفسه من خلال الاختلاف. فقد كانت المحاكاة عند ليوناردو ضرباً من الضعف. 
وقد كان بيترو فانوتشي أحد الفنانين الذين ضمتهم الورشة، ويعرف باسم إل بيروجينو- نسبة إلى بيروجيا. والمولود بالقرب من منطقة بيروجيا في أواخر أربعينيات القرن الخامس عشر، والذي درس على يد معلِّم من أمبريا- ربما كان هو بيرو ديلا فرانسشكا- قبل أن يأتي إلى فلورنسا، إذن هو ليس تلميذاً مبتدئاً مثل ليوناردو. ولقد كان حاصلاً على لقب ماغ (المعلم أو الكبير) في الوثائق الفلورنسية لعام 1472. ومثل ليوناردو انتقل بسرعة كبيرة إلى الرسم بألوان الزيت. وقد ارتبط اسم بيروجينو باسم ليوناردو في السجل المقفى الذي كتبه جيوفاني دي سانتيس، والد الرسام رافاييلو أو رفائيل: 
 
الزملاء في فلورنسا، أعلى اليسار بروتريه محتمل لأندريه ديل فيروكيو بريشة أحد تلاميذه. أعلى اليمين بروتريه يرجح أن يكون لساندرو بوتيشيلي من لوحته تبجيل المجوس المؤرخة في 1478. أسفل اليسار: بيترو بيروجينو، لوحة شخصية من عام 1500. أسفل اليمين: لورينزو دي كريدي، لوحة شخصية، 1488. 
شابان ندّان في عمر الحياة والحب
ليوناردو دا فينشي والبيروجيني القلب
وبير الكنيسة، الراسم العابد الرب
يصف هذا السجع ليوناردو والبيروجيني على أنّهما "شابان ندّان في عمر الحياة وفي الحب." لكنَّ الثاني هو بيروجيني الذي تم إفراده في العبارة الأخيرة "الراسم الرب". 
أما تلميذ فيروكيو الشهير الآخر فقد كان شاباً وسيماً وابناً لصائغ الذهب لورينزو دي كريدي. والمولود حوالي سنة 1457، فقد كان أصغر من ليوناردو وجاء بعده إلى المرسم. وأول أعماله المقبولة كانت السيدة العذراء والطفل مع يوحنا المعمدان والقديس دوناتوس في بيستويا، وكان قد بدأها حوالي عام 1476. وفي واحدة من خطوات قطعة المذبح هذه كانت لوحة البشارة الصغيرة التي كان من الواضح أنها مستوحاة من لوحة ليوناردو التي تحمل الاسم ذاته، وربما كانت عملاً مشتركاً بينهما.  في عام 1480 ذكرت الأرملة أم كريدي في إقرارها الضريبي أنَّ لورينزو قد حصل على أجر يبلغ  12 فلوريناً في السنة في المرسم. قد يكون هذا راتباً أساسياً، مضمناً مبالغ لسداد قيمة أعمال معينة بناءً على مهام محددة. وبعد مغادرة فيروكيو إلى مدينة البندقية في أوائل ثمانينات القرن الخامس عشر، كان كريدي يخلفه على الورشة بكل جدارة، وقد سماه فيروكيو وريثاً وقائماً على تنفيذ وصيته.  وبحسب فازاري فإنَّ فيروكيو "أحبّ" لورينزو أكثر من تلاميذه الآخرين- ربما قفزت فكرة المثلية الجنسية هنا: كيف يمكننا ألا نعرف على وجه الدقة. إنَّ الإدعاء المتكرر بأنّ ليوناردو قد "تعرّف" على المثلية الجنسية في مرسم فيروكيو، غير مؤكد.   
ونحن لا نعلم شيئاً عن علاقات ليوناردو بالبيروجيني ولا بكريدي، فلا جاء لها ذكرٌ في مخطوطاته ولا كان اختيار فيروكيو معلماً له لهذا السبب. إنها السخرية اللاذعة أو الصمت العالي، فنحن لا نجد كثيراً من حس الامتنان تجاه الفنانين الذين تعلم ليوناردو منهم ومعهم بداية صنعته.  
وأخيراً أصبح التلميذ جاهزاً للتلوين، والذي يعني في العرف أنّه أصبح قادراً على أداء بعض أعمال التلوين. إنَّ من الأمور البدهية في عصر النهضة، التعاون والتشارك في رسم اللوحات، وأنَّ العمل الذي يكون بريشة فنان محدد، دائماً ما يكون لفنان آخر يد فيه، فيتم تنفيذ بقية اللوحة على أيدي المساعدين والتلاميذ الذين يعملون تحت إشرافه. في بعض الأحيان تكون هنالك عقود تنص على قدر معين من تكريس الجهود للوحة. ولقد نصَّ أحد عقود بيرو ديلا فرانشسكا على أنْ " لا يجوز لأي رسام آخر وضع يده على الفرشاة سوى بيرو نفسه، وعلى فيلبي ليبي أن يوافق على أن تكون لوحته الجصّية على معبد ستروتسي في كنيسة سانتا ماريا نوفيلا ستكون " بيده هو بالكامل، خاصة الشخوص".    ولكن كان مقبولاً بشكل عام أنَّ لوحات المرسم أعمال غير حصرية للمعلم.  
وإحدى لوحات مرسم فيروكيو الأكثر سحرا،ً هي لوحة توبياس والملاك الصغيرة في المعرض الوطني، بلندن. فقد رُسمت حوالي 1468-1470. وقصة توبياس (بالطليانية Tobiolo) موجودة في كتاب توبياس الملفق: وهي تحكي عن مهمة صبي يسعى لعلاج عمىً بأبيه، وحراسة الملاك رافاييل له أثناء مغامراته. فهي ذات ملامح لأسطورة أو قصة خيالية، ونبرة لا تخلو من سلوى لقيم وتقاليد العائلة، كما أنّها أصبحت سمة صورية شائعة. لوحة توبياس لفيروكيو تعتبر واحدة من الأشكال العديدة في ذلك الوقت: فهنالك روايات متشابهة جداً للأخوة بولايولو وفرانشسكو بوتيشيني، وجميعها تحمل رسماً لسمكة وكلبٍ يمثلان بدورهما جزءاً من القصة. لوحة بولايولو الزيتية هي الأقدم من بين الثلاث، وقد اتبع فيروكيو بنيتها. فقد أُعطي شكلين اثنين أكثر حيوية وحركة- وتقبض الريح ملابسهما، وشرابة حزام توبياس تتأرجح هنا وهناك مع شجرة صغيرة على البعد. ولكن أجنحة الملاك ليست جيدة بما يناسب مستوى الإخوة بولايولو". والخلفية مملة- لم يكن لدى فيروكيو أي مشاعر حقيقية تجاه اللوحة. 
وبحسب مؤرخ الفن دفيد ايه. براون، فإنَّ هذه المحددات التقنية على وجه الدقة والتي تمثل دليلاً على ملكية اللوحة المشتركة، مثل الشخوص الإنسانية فيها، تفوق تلك التي تضمنتها لوحات بولايولو.  أما الحيوانات، وبعبارة أخرى، هي أيضاً أكثر جودة مقارنة بأعمال فيروكيو. فمقاييس السمكة ذات درجات رمادية وبيضاء مشرقة، لكنها منفذة بأسلوب الصبغ التقليدي، ويظهر فيها بجلاء الحس العبقري بالضوء والسطوح. أما الكلب الصغير الأبيض الذي يقفز على طول الطريق إلى جانب الملاك: فهو من النوع ذاته في كلا اللوحتين- كلب صيد من نوع تيرير البولوني- ولكنه في لوحة فيروكيو يبدو أكثر حيوية وانتباهاً وحركة. وفراؤه الطويل الحريري يتبعثر وينساب، مرسوماً بدقة تجعل الكلب يبدو شفافاً. ويمكنك رؤية خط من اللوحة السابقة أسفل منه. تبدو الحيوانات وهي تتحرك مثل صورة ثلاثية الأبعاد تقع فويق سطح اللوحة: كلب من حكاية خيالية. (اللوحة 4)
ومن المستبعد أن يكون الكلب والسمكة من أعمال فيروكيو نفسه، والذي ظهر أسلوبه القوي الذي يميل إلى النحت في اثنين من الأشكال الأساسية. وهما من عمل أحد المساعدين، وذلك المساعد هو ليوناردو بالتأكيد. ومقارنة فرو الكلب بشعر ملائكة ليوناردو دافنشي من أوائل سبعينيات القرن الخامس عشر تبين أوجه الشبه الدقيقة بينهما. وربما كانت هنالك مساهمة في أغلب الأحوال من ليوناردو بخصوص تجعيدات شعر توبياس، والذي لديه الغرة المبعثرة ذاتها التي كانت لدى ملاك ليوناردو في لوحة البشارة. 
كما قد أظهرت التحليلات الميكروسكوبية ضربات فرشاة نفذت من قبل شخص أعسر، وذلك في منطقة التجعيدات فوق أذن توبياس. أما لوحات فيروكيو الأخرى فربما تضمنت ضربات باكرة من فرشاة ليوناردو في بعض طيات أو بزات أو أركان المنظر الطبيعي، ولكن هنالك أولى المساهمات الواضحة – كلب صغير، سمكة، شلال من الشعر الأجعد، وجميعها نفذت بتلك اللمسة الرقيقة واللامعة والتي ستزداد كمالاً مع مَرِّ السنوات، ولكنها تبدو بالفعل علامةً على هذه الدربة العظيمة. 
 
 
لوحة فيروكيو توبياس والملاك
 
 
 
------------------------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
تأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)

      ليوناردو دافنشي: رحلات العقل   4- تعلُّم الصنعة يتمنى الكثيرون أن يتعلموا كيف يرسمون، ويستمتعون بالرسم، ولكنهم لا يمتلكون المهارة الحقيقية لفعل ذلك. ويظهر هذا في افتقارهم إلى المثابرة، مثل الصبية الذين يرسمون كل شيء على عجلٍ، لا يكملون رسمهم ولا يضعوا الظلال.. مخطوطة باريس، و ص 25.   وبينما كان يعمل كمساعد صغير أو خادم في المرسم، وربما كمثَّال، كان ليوناردو هو الآخر تلميذاً أو متدرباً، يتلقى تعليمات محددة من المعلم اندريه. ويعطينا العقد المحرر في 1467 فكرة عن ماهية التدريب المتوقع الحصول عليه. وفيه يتعهد الرسام البادوفي فرانسشكو اسكواتشوني، بتدريس تلميذه "أسس فضاء الرسم، ورسم خطوط عليه وفقاً لطريقتي" وكيفية " وضع الأشكال على الفضاء المذكور" و "وضع الأشياء هناك، مثل مقعد ما، أو أريكة، أو منزلٍ"، وكيفية رسم رأس رجلٍ بتصغير مع مراعاة تساوي الأبعاد، "و "نظام الجسد العاري".   وعليه فإنَّ التلميذ سيتعلم إلى درجة كبيرة أساليب المنظور ورسم الأشكال. ويعد سكواتشوني أيضاً ب" أن يدربه بشكل عملي،" و"يزوّده بالمُثل [النماذج]". وهذه "المثُل" قد تكون رسومات سكواتشوني نفسه، مثلها مثل الأشياء والأشخاص الحقيقيين. يمضي التلميذ وقتاً طويلاً في النقل من "كتاب الأمثلة" الذي يزوده به المعلم.  كانت الأوراق باهظة الثمن، وقد تدرب التلاميذ أيضاً باستخدام لوحات خشبية مبطنة وقلم ذي سِنٍّ معدني. وفي دليله الشهير " كتاب الفنون"، يوصي شنينو شنيني " بلوحة صغيرة من خشب البقس، مساحتها تسع بوصات مربعة". ويجب أن تُصقل بأداة من عظم الحبار مثل التي يستخدمها صائغ الذهب"، ثم تغلف برماد العظم المبلل باللعاب: واستخدم عظام الدجاج لتصنيع الرماد، يوصي هو، " فقط كما تجدها تحت المائدة".  وأول رسومات ليوناردو على الورق تبين استخدامه قلماً ذا سِنٍّ من الرصاص أو الفضة، يستخدمه عادةً قبل مرحلة التحبير.    كان فن التصميم الهندسي- Disegno- هو الأساس لهذا التعليم الفني. وقد أكد فازاري على هذا، وهو الذي يحدد أنَّ سير بيرو هو الذي دبّر لليوناردو أمر "دراسة الرسم" هذا مع فيروكيو، وقد أكد ليوناردو هذا الأمر بنفسه عندما أصبح معلماً وله تلاميذه. وبحسب باولو جيوفو، " فإنّ ليوناردو لم يكن ليسمح للصبية الذين لم يبلغوا العشرين من العمر أن يضعوا أيديهم على الفراشي والألوان، ويسمح لهم فقط بالتدريب مستخدمين أقلام الرصاص، متبعاً بجدٍ أفضل ما وضعه الرواد القدماء، ومحاكياً قوى الطبيعة وملامح الجسد بأبسط الخطوط."  ومن المستبعد أن يكون هذا الشيء انعكاساً لتدربه في مرسم فيروكيو التجاري المزدحم- فليوناردو بدون شك كان يرسم ويلون قبل أن يبلغ العشرين- ولكنّه صدىً للدراسة الصارمة لفن رسم التصميمات الهندسية باستخدام سَنٍّ معدنية، الذي تعلّمه من فيروكيو. فقد كان لديه معلم له من الفضل ما سيكون له هو كمعلِّم: ربما كان فيروكيو هو أفضل مصمم هندسي بين مجايليه في فلورنسا. وقد تضمنت مجموعة فازاري الشهيرة بعض أعمال فيروكيو، " منفذةً بأكبر قدر من الأناة والبراعة"، ومن بينها " عدة رؤوس أنثوية ذات شعر جميل وتقاسيم رائعة، والتي كان ليوناردو يحاكيها دائما لجمالٍ فيها". وقد نجت أمثلة كثيرة على تلك التصميمات. وعندما يستخدم فازاري المفردة "دائماً" فهذا ليس مجازاً: فقد انعكس تأثير لوحة لفيروكيو بالطباشير الأسود في المتحف البريطاني بشكل كبير في رسومات ليدا التمهيدية، والتي رُسمت بعد ذلك بثلاثين عاماً.   وقد اقتنى فازاري هو الآخر بعضاً من رسومات ليوناردو، بما فيها الدراسات المبكرة لتصميم الأزياء، والتي أجراها على الكتّان، والتي يصفها كجزء من تمارين ليوناردو كمتدرب على الرسم: " لقد صنع نماذج طينية، ولفّ التماثيل بقطع القماش المبللة بالصمغ، ورسمها بعناية فائقة على قطعة من نسيج الريمز أو بطانة معّدَة لذلك الغرض. وقد تم تنفيذ هذه الرسومات باللونين الأبيض والأسود، وبرأس الفرشاة، ولكن كانت النتائج رائعة جداً، كما هو واضح للرائي من خلال الأمثلة التي أوردتها في كتابي حول الرسومات." وقد نجا قدر كبير من الدراسات المبكرة لتصميمات الأزياء. ويمكن أن ينسب بعضها إلى الأزياء التي ظهرت في بشارة أوفيزي، والتي كانت من أقدم لوحات ليوناردو المكتملة على الأرجح (1470-1472 للميلاد).  وهنالك رسم يوجد في كلية كنيسة المسيح، في أكسفورد، يمثل دراسة لكمِّ الملاك في لوحة البشارة؛ إنه جزء من صفحة أكبر والتي من المرجح أنّها اشتملت في وقت ما على رسم أوَّليٍّ لرأس (ربما رأس الملاك)، وبعض الآثار لشعر طويل أجعد كان بادياً في الهامش الأيمن. ويمكن مقارنة الكمِّ أيضاً بكمِّ ملاك سان جينارو،وهو تمثال طيني صغير نُسب في الآونة الأخيرة إلى ليوناردو. (لوحة 8 ). وتمثل عبقرية ليوناردو بهذا الخصوص نبوءة للرسام الذي ينتمي للمدرسة النمطية، والذي ينتج كثيراً من الأزياء. " لقد اعتبرها أكثر من مجرد تمرين أكاديمي" يقول اليخاندرو فيتزوسي: لقد" أخرج كل ما فيه من قوة وتجريد." وتضخيم هذه الدراسات في تصميم الأزياء يبدو مثل نسخ من الصخور والجبال التي تظهر في لوحاته اللاحقة للمناظر الطبيعية. واستمر تدريبه بهذا الموضوع: هنالك فصل في كتابه أطروحة حول التلوين بعنوان: " حول الملابس، والدرابيات والطيات". ويجب أن تناسب السترة الجسم ولا تبدو ككومة من الملابس الجوفاء"- وبالتالي " سترة مسكونة". ويواصل سرده لتوضيح للفروق المرئية:    واحدة من دراسات ليوناردو للأزياء على بطانةٍ. الأقمشة الرقيقة، والسميكة والجديدة والقديمة، وذات الطيات المنقطعة، والطيات الكاملة؛ والكشكشة الدقيقة، والمظللة، والأقل تظليلاً، والمنعكسة وغيرها، السريعة والحائرة، وفقاً لوضعياتها، وألوانها، واقمشتها وفقاً للرتبة، والطول والقصر،والطيران والثبات وفقاً للحركة مثل أن تلتصق بالجسم، أو أن تتحرك إلى الأعلى أو إلى الأسفل.  واحدة أخرى من رسومات ليوناردو الأولى، تشير إلى أنّ لوحة البشارة ما هي إلا دراسة لإحدى الزنابق.(لوحة 3). وقد نُفذت برقة بالطباشير الأبيض والأسود ثم تمت التمشية عليها بالقلم والحبر، مع إعطائها بعض القوة بلمسة من اللون البني هنا وهناك مع الأبيض. فهي تشبه الزنبقة في لوحة البشارة، ولكنها ليست دراسة فعلية لها إذ تميل إلى اتجاه آخر. فهي تبدو أقرب إلى الزنبقة في لوحة فيروكيو السيدة العذراء والطفل مع اثنين من الملائكة (المعرض الوطني، لندن)، ولكن تم قص اللوحة ويبدو فقط الجزء الذي يحتوي على الزهرة.  وفي الرسم بعض الخطوط الشاحبة في الثلث الأسفل من الورقة، والذي تصعب ملاحظته في النسخة المقلدة: تبدو هذه كدراسات هندسية للمنظور، الشيء الذي يصبّ في إطار دعم سياق التلمذة التي تم في ظله تنفيذ هذا الرسم.  وقد كانت النمذجة  باستخدام الطين والصلصال، جزءاً آخر من أجزاء منهج التلمذة. يقول فازاري " صنع ليوناردو في شبابه عدة رؤوس لنساء ضاحكات من الصلصال، لا يزال الصمغ المصبوب لها صالحاً، مثلها مثل بعض رؤوس الأطفال التي بدت كما لو نفذها فنان ناضج". ولم يتبق أي أثر لأي من " النسوة الضاحكات"، لكنْ توجد عدة رؤوس للملائكة الصغار في منحوتات فيروكيو التذكارية، ليس هنالك أي شيء يشير بأنّ ليوناردو قد صنع أياً منها.   وقد كانت بدايات مهنة ليوناردو كنحات غامضةً. فهنالك رأس جميل من الطين، والمسيح في صباه [Cristo Giovanotto](انظر صفحة 122)، والذي يعتقد أنّه من أعماله، بيد أنَّ الآراء تتباين حول ما إن كان من الأعمال الأولى أم من أواسط تسعينيات القرن الخامس عشر؟ (لأنّه يرتبط على نحوٍ ما ببعض الدراسات لتلاميذ العشاء الأخير). وقد يكون هو "الرأس الأخير" الذي اقتناه جيوفانّي باولو لوماتسو لاحقاً:  لقد كان لدي أيضاً رأس صغير من الطين للمسيح عندما كان صبياً [fanciullo]، منحوت بيد ليوناردو دا فينشي ذاته، والذي يرى فيه المرء بساطة ونقاء الصبي، معاً بالإضافة إلى شيء ما يضفي بعض الحكمة، والعقل والجلال. لقد كانت له نفحة ربما رقة الشباب، ولكنه بدا كبيراً وحكيماً أيضاً.  كانت للوماتسو أشياء مثيرة للاهتمام ليقولها في حق أعمال ليوناردو كنحَّاتٍ، لأنّه رأى مخطوطة- فُقدت الآن- يتحدث فيها ليوناردو عن علاقة النحت "الأخوية بالتلوين" ويقول، " لقد كانت لي بهجة فيه، وما زالت لي بهجة فيه." مستشهداً بصفته "شاهد" لهذه الجهود المتنوعة كمثّالٍ- "الأحصنة، والأرجل، والرؤوس، والبشر أيضاً [على سبيل المثال الحي] رؤوس سيدتنا-العذراء- والأعمال التي تصور المسيح في طفولته بالحجمين كليهما الكامل والنصفي، والعدد الكبير من رؤوس الشيوخ المسنين."   هذه القطعة –(تفترض أنَّ لوماتسو يتحدث عن المخطوطة المفقودة بكثير ثقةٍ) تجعل المرء ينظر بالمقابل إلى القائمة المشهورة في مخطوطة اتلانتكس، المؤرخة في 1482، والتي يسرد فيها ليوناردو عدداً من الأعمال التي أكملها قبل مغادرته إلى ميلانو. وبعض "رؤوس هؤلاء الشيوخ"، "كثير من الأجساد الكاملة العارية،" "كثير من السيقان، والأقدام، والقسمات [attitudini]- ربما كانت منحتوتات، أو نماذج طينية أكثر منها رسومات.    رسم جانبي بقلم ذي رأس حديدي لمحارب، ربما تم تنفيذه على أساس أحد أعمال النحت الغائر لفيروكيو.  ولقد تعلم أيضاً أساليب القولبة والنحت الغائر (rilievo). وهنالك زوج من الملائكة من أعمال الطين بطريقة النحت الغائر في اللوفر، والتي كانت من منتجات ورشة فيروكيو دون شك. وقد نسبت في وقت ما إلى ليوناردو بسبب التشابه بينها وبين الملاك المرسوم في لوحة معمودية المسيح. ويذكر فازاري نحتاً غائراً على البرونز بيد فيروكيو، يظهر فيه الإمبراطور الفارسي الجبار داريوس؛ وهي الآن من المفقودات، ولكنها أيضاً من الأعمال المسجلة دون شك في لوحة المحارب الجانبية المرسومة بالسِن الحديدية، وهي الآن في المتحف البريطاني.   ومن أعماله في دراسات رسم الحياة والمنظور والنمذجة بالصلصال، ينتقل التلميذ أخيراً إلى مهنة التلوين. لا يعرف الوقت الذي بدأ فيه فيروكيو نفسه التلوين على وجه التحديد، ولا هوية من قام بتدريبه. فأول توثيق له كرسام يعود للعام 1468، عندما قام بتقديم تصميمات لسلسلة من أعمال التلوين حول الفضائل السبعة لقصر التجارة، بيد أنّه لا يستبعد أن يكون نشطاً قبل ذلك التأريخ.  وقد كان إنتاج المرسم الرئيسي من لوحات السيدة العذراء والطفل التي يتراوح حجمها بين الصغير والمتوسط.  كما كانت هنالك الكثير من اللوحات بالأسلوب ذاته والتي أصبحت تدعى الآن الفيروكيّات؛ وتفوقها في العمر لوحته العذبة واللامعة السيدة العذراء للراهب فيلبي ليبي، والتأثير الهولندي من خلاله، فهي تميل إلى الجمال، ولكنها أيضاً ذات حسٍ متين من الحجم والحركة المتأثرين بأعمال فيروكيو كنحّات. أما على أساس أساليبي، فلوحة مادونا والطفل أحد الأعمال النصفية الصغيرة والموجود في برلين، ويعتبر من أقدمها، ويعود تأريخه إلى 1468. الأمثلة الأخرى هي لوحة العذراء تقدّس الطفل المسيح في إدنبرة، والعذراء والطفل واثنان من الملائكة في المعرض الوطني بلندن، وسيدة البحر في الأكاديمية، بفلورنسا، وعذراء الرمان بواشنطن العاصمة، وعذراء الإكليل بميونخ. معظم هذه اللوحات تعود بتأريخها إلى أواسط سبعينيات القرن الخامس عشر. وجميعها أعمال لوحية، منفذة على الخشب؛ ولم تكن الأقمشة مستخدمة بعد في التلوين، وليس هنالك ما يدل على أنَّ فيروكيو وشركاه قد تعهدوا بأية أعمال جصيّة، الشيء الذي كان من اختصاص متجر غيرلاندايو.  ولكن وقبل وقت طويل من وضع ليوناردو الفرشاة على اللوحة كان لينهمك في آليات التلوين الأساسية. فلا بدّ من أنّه كان يعرف شيئاً حول ملاءمة مختلف أنواع الخشب للوحات- الحور، الجوز، الكمثرى، وشجرة الغبيراء، وقد كانت شجرة الحور من بين جميع هذه الأشجار هي عماد المرسم، خاصة النوع الأبيض المعروف في إيطاليا باسم غاتيشي[Gattice]، وهو نوع رخيص، وخشبه سهل الاستخدام، ولذلك يكثر طلبه لدى النجّارين والمشتغلين بالخشب. ولقد تعيَّن عليه تعلّم كيفية إعداد مختلف أنواع الجبس، والطلاء الأبيض المصنوع من الجبس والذي كانت تغلف به الألواح، بحيث يشكل الخلفية التي ستوضع عليها الألوان: الطبقات الأخيرة من الجبس الناعم الرقيق تكون على سطح أملس، أبيض ساطع ذي قابلية ضعيفة للامتصاص. وقد جرّب ليوناردو على مر السنين أنواعاً أكثر تعقيداً حتى من الجبس المصنوع بمواصفات خاصة:  غلِّفْها [اللوحة] بالصمغ والتربنتين الأبيض المقطّر للمرة الثانية... ثم اعطِها طبقتين أو ثلاثاً من ماء الحياة  الذي قمتَّ بحلِّه في الزرنيخ، أو أي مذيب آخر للتحليل. ثم استخدم زيت بذر الكتان المغلي بطريقة تضمن نفاذه إلى كل جزء فيها، وقبل أن يبرد تماماً امسحه جيداً بقطعة من القماش لتجفيفه. وفوق هذا قُمْ باستخدام طلاء أبيض سائل باستخدام عودٍ، ثم اغسلها بالبول.  وعليه فإنَّ اللوح المعدّ يصبح جاهزاً للخطوة التالية للعملية: نقل الرسومات التمهيدية إلى السطح الأبيض البكر. وكثيراً ما يُستخدم رسمٌ بالحجم الكامل للعمل كله: "ورق الكرتون"، من الكارتون الإيطالي، وهو فرخ كبير من الورق، حيث الخطوط العريضة للرسم قد "حُفرت" عليها ثقوب صغيرة، يرى المرء هذه الثقوب على عدد كبير من الرسومات. وتثبت قطعة الكرتون بشكل مسطح على اللوح، ويتم تغطيتها بمسحوق الفحم أو الذرور. وهي عملية معروفة باسم "الصقل" (بالإيطالية spolveratura)؛ فالصقل يفسد "الذرور". يمر الغبار من خلال ثقوب الرسم ويترك أثراً على اللوحة، والتي أصبحت الآن جاهزة للتلوين.  التقليد الذي كان يعمل من خلاله ليوناردو في البداية، كان هو التلوين بالصبغة، بيد أنّ التلوين بالزيت سرعان ما أصبح الوسيلة السائدة الجديدة. الصبغة هي أي نوع من عناصر التغطية والتي "تصبغ" مساحيق الألوان وتجعلها قابلة للاستخدام، ولكن هذه المفردة كانت تشير إلى صبغة البيض دون غيرها في القرن الرابع عشر: الألوان الممزوجة بمِحِّ البيض الطازج (أو بياضه لإضفاء بعض الإضاءة على المخطوطة) ويخفف بالماء. صبغة البيض تجف في الحال في أغلب الأحيان، بيد أنَّ العديد من الدرجات تكون أضعف بعد أن تجف، وهي قوية وتدوم طويلاً. ودوائر فلورنسا الجصّية، وأعمال مازاتشو في كنيسة كارمين، وغوزولي في قصر ميديتشي، وغيرلاندايو في كنيسة سانتا ماريا نوفيل- كلها لوِّنت على الجصِّ (على الجصِّ المبلل حديثاً) باستخدام الصبغة. ولا ننسى الدجاج الذي ينتج البيض اللازم لما تنتجه الورشة الدائبة من تصاوير عند ذكر ما يمكن أن نصادفه بالورشة من أصوات وروائح.  كانت لوحات الزيت قد بدأت بالفعل- وهو أسلوب وافد من هولندا- ولكنه ما زال مستخدماً في اللمسات النهائية، وتعديل طبقة الصبغة الباردة بغلاف غنيٍ شفاف أو صقيل. لقد كانت تقنية للزينة تضاف إلى الأعمال المصبوغة.   فليوناردو ذو براعة تقنية فائقة: فقد بدأ من خلال تقليد الصبغة، ولكنه سرعان ما تحمّس لغنى ألوان الزيت، والتي أجاد العمل بها وأتقنه. لقد أدرك الدقة في النمذجة، والظلال التي تقدمها ألوان الزيت. إنِّ سرعة جفاف الصبغة يعني أنّ عليك تصوير الظلال بالخطوط (عن طريق "التظليل" و"التظليل المعارض")، ولكن مع ألوان الزيت كان هنالك بعدٌ جديدٌ للعمل بالفرشاة على طبقات، يتسنى معه تحقيق عمق الدرجة والتعقيد البصري- تلك اللمحة "الدخانية" أو sfumato))، والتي هي واحدة من علاماته الفنية. ولم تكن هنالك أية ضرورة للاستعجال مع أسلوب ليوناردو الذي ينشد الكمال.  يجب أن يكون المتدرب مثقفاً في مجال الألوان أيضاً- والمواد المنتجة لها، وطريقة تحضيرها، والآثار الناتجة عن مزجها. وتأتي بعض الألوان من أنواع التربة المحلية (المغرة الصفراء، البني المصفر، والسيانا)، وتأتي بعضها من النباتات (الأسود النباتي)، وبعضها كانت نتاجاً لتفاعلات كيميائية ضارة ولكنها بسيطة إلى حد كبير(الرصاص الأبيض، سبيكة الرصاص والقصدير الصفراء). وتوفر هذه المواد أسساً عملية للوح ألوان الرسام. المزيج التقليدي لدرجات العضلات كان الأصفر من أكسيد الحديد، والأسود النباتي، والرصاص الأبيض، ويدعو شينينو هذا المزيج "فيرداتشو" .  أما التدرجات اللامعة التي يسعى إليها الرسام وعملاؤه، فتحتاج إلى مواد أكثر ندرة. وقد كانت الصبغة السائدة في اللوحات الإيطالية القديمة هي اللون الأزرق المشرق الشاعري المسمى لازورد، ويصنع بطحن الحجر اللازورد: الكلمة اللاتينية Lazulus  مشتقة من الفارسية لاجوردي. وهذا الحجر يتكون طبيعياً من الرمل المشبع بالكبريت. كلمة "ultramarine" تبدو كما لو أنّها توحي باللون الأزرق الأكثر قوة من زرقة البحر، ولكنه ببساطة يعني أنّه جاء من وراء البحار. فهو مستورد، وباهظ بشكل مخيف، وعليه أصبح كلمة موازية للقيمة، وبالتالي للفخامة، في لوحة ما. لقد نصّ عقد لوحة غيرلاندايو تبجيل المجوس (1482) على:" ينبغي أن يكون اللون الأزرق وراء-بحري وتعادل قيمته 4 فلورينات للأوقية"- لكنْ هذا النوع من المقاربات كان آخذاً في التلاشي والبدائل الأقل تكلفة مثل الأزرق البروسي والآزوريت أضحت أكثر شيوعاً.  الأصباغ المعدنية المهمة الأخرى، كانت المرمر الأخضر، والذي استخدم بشكل واسع في المناظر الطبيعية والمروج، والأحمر اللامع القرمزي أو [vermiglio] ، والمستخلص من طحن الزنجفر (كبريتيد الزئبق الأحمر). واشتُقت الكلمة من المفردة اللاتينية vermiculus- وهي دودة صغيرة- نسبة للشبه بين حمرة الزنجفر وحمرة الصبغة المستخلصة من هذه الحشرة[دودة القرمز]. وهنالك حشرة أخرى كانت مصدراً للك [lac/lake]، والتي كانت تضاف لمساحيق التلوين لإضفاء لمعة على الطلاء.   وتعجُّ الكتب الدليلية الشائعة مثل كتاب شينيو للفنون، ومداخلات غيبرتي بوصفات إنتاج تأثيرات لونية معينة، وهنالك الكثير منها في مخطوطات ليوناردو. وقد كتبت في جزء من مخطوطة أتلانتكس العبارات التالية بأسلوب مزدان بالزخارف ارتبط بكتابات ليوناردو الأولى:- " خذ  لوناً أخضرَ [المرمر مثلاً] وامزجه بالقار فسيصبح الظل أكثر قتامة. أما للحصول على ظلال أخف، امزج الأخضر مع التراب الأصفر، وللحصول على ظل أكثر خفة، الأخضر مع الأصفر، وللأضواء استخدم الأصفر المحض. ثم خذ الأخضر والعقدة الصفراء معاً، واصقل بها كل شيء. ..لصنع لون أحمر جميل خذ الزنجفر أو الطباشير الأحمر أو أكسيد الحديد المحروق للحصول على ظلال داكنة، وللظلال الخفيفة خذ القرمز والطباشير الأحمر، وللإضاءة الزنجفر النقي، ثم استخدم اللك الممتاز للصقل.  وهذه المواد الخام تفسر انضمام الفنان لعضوية جمعية فناني ميديتشي، الصيدلة وأسواقها، ونقابة الأطباء، والعطارين والبزازين. فالعطار يتعامل مع المواد الغريبة بكافة أنواعها: تذهب له للبهارات، والعقاقير، والأعشاب، والأشربة، والتركيبات الصيدلانية. والصيدليات الإيطالية من الطراز القديم ما زالت تشير إلى نفسها كعطارين، ومحلات عطارة، وحوانيت توابل. ومن بعض هذه المحلات ذات الروائح اللاسعة يشتري الرسام بهاراته البصرية. وكان الإخوة الرهبان من دير سان غيستو الي مور، مصدراً آخراً للأصباغ. وقد ذكرت الوثائق أنَّ فيليبو ليبي، وبوتيشيلي، وغيرلاندايو ومايكل آنجلو كانوا من العملاء، وكذلك ليوناردو الذي دفع في صيف 1481 4 ليرات مقابل " أوقية واحدة من اللازورد [ِazzuro] اشتراها من الدير" . لقد كان كل هذا من قبيل المعرفة التقنية اللازمة للرسام المتدرب، ولكن كانت هنالك أنواع أخرى من المعارف اكثر غموضاً ينبغي عليه تعلّمها. فقد كانت الورشة مثلها مثل مصنعٍ أو معملٍ تعج بالفنانين، منتدىً للنقاش والنميمة،  ومنبعاً للأساليب والأفكار الجديدة. لقد كانت هذه هي جامعة ليوناردو غير المتعلِّم.  وقد كان ساندرو بوتيشيلي أحد الرسامين الذين ارتبط اسمهم بنشأة أسلوب فيروكيو. لقد كان فناناً مستقلاً، ولكنْ أعماله الأولى: مريم العذراء والطفل بدت كما لو أنّها مصبوبة في قالب فيروكيو أو ربما كانت لوحات فيروكيو هي التي صُبّت في قالب بوتيشيلي: ليس لدينا أي علم حول تدرُّب فيروكيو على الرسم، فربما كان له استعداد على الأرجح للتعلم من الفنانين الأصغر سناً، والذين تم تدريبهم من قبل فيلبو ليبي العظيم، والذي أصبح بعد وفاة ليبي في 1469 معلماً لابنه غير الشرعي فيليبينو. ولابد أنَّ لبوتشيلي تأثيراً مهماً جداً على ليوناردو الذي بزغ نجمه كرسام في أواخر ستينيات وبداية سبعينيات القرن الخامس عشر. وهو تأثير قد يستدل المرء عليه من الملاك في لوحة البشارة، والذي به شيء من لمحة جمالية جديدة ترتبط في الأذهان بأسلوب بوتيشيلي. لقد كان يفوق ليوناردو عمراً بسبع أو ثماني سنوات. وقد كان رجلاً يميل إلى القوة وقد أصبح من الموالين لسفانارولا، لكنْ فازاري هو الآخر صوّره كشخص كوميدي عادي.  وقد ترك ليوناردو بعض التعليقات على معاصريه من الفنانين، ولكنه لم يعلّق على بوتيشيلي. فقد كانت النبرة ناقدة بشكل صادم. فهو يتحدث بشكل منفِّر عن "المناظر الطبيعية الباردة" لبوتيشيلي، ولا بد أنّه يضع في اعتباره غابات بوتشيلي الأسطورية الخيالية عندما يقول، " لا ترسم- كما يفعل الكثيرون- كل أنواع الاشجار، وحتى إن كانت على ذات المسافة، بالدرجة نفسها من الخضرة." وتوجد مناظرة أخرى في شكوى ليوناردو الكوميدية حول الافتقار إلى "الحشمة" في لوحة البشارة: " لقد رأيت قبل بضعة أيام خلت صورة لملاك ينقل البشارة، وقد بدا لي مطارداً سيدتنا إلى خارج الغرفة، بحركات مسيئة من النوع الذي يجوز أن يظهره المرء تجاه عدو مقيت، وسيدتنا بدت كما لو أنّها كانت سترمي بنفسها في استماتة من خارج النافذة."  وتشير هذه العبارات على الأرجح إلى لوحة البشارة التي رسمها بوتيشيلي لمعبد عائلة غاردي حوالي عام 1490، حيث كان من الجائز أن يرى الشخص الملاك وهو يجثم على السيدة بعدائية، لكنْ هذا تأويل يشوبه العوار. وهنالك نقد لاذع مشابه يوجد في مذكرة حول المنظور تبدأ كالتالي: " ساندرو! أنت لا تخبرنا لِمَ هذه الأشياء التي تأتي في المستوى الثاني أكثر انخفاضاً من التي تليها." وهذا القول يشير إلى لوحة ميلاد المسيح الروحي لعام 1500، حيث تبدو مستويات هرمية للملائكة الذين قد رسمت أشكالهم بلا اتساق مع قاعدة المنظور.  ويبدو كل هذا اللوم غير مسبوقٍ. ربما كان له جذور تتعلق بعلم النفس: رغبة لإطفاء تأثير مبكر، ولتمييز نفسه من خلال الاختلاف. فقد كانت المحاكاة عند ليوناردو ضرباً من الضعف.  وقد كان بيترو فانوتشي أحد الفنانين الذين ضمتهم الورشة، ويعرف باسم إل بيروجينو- نسبة إلى بيروجيا. والمولود بالقرب من منطقة بيروجيا في أواخر أربعينيات القرن الخامس عشر، والذي درس على يد معلِّم من أمبريا- ربما كان هو بيرو ديلا فرانسشكا- قبل أن يأتي إلى فلورنسا، إذن هو ليس تلميذاً مبتدئاً مثل ليوناردو. ولقد كان حاصلاً على لقب ماغ (المعلم أو الكبير) في الوثائق الفلورنسية لعام 1472. ومثل ليوناردو انتقل بسرعة كبيرة إلى الرسم بألوان الزيت. وقد ارتبط اسم بيروجينو باسم ليوناردو في السجل المقفى الذي كتبه جيوفاني دي سانتيس، والد الرسام رافاييلو أو رفائيل:    الزملاء في فلورنسا، أعلى اليسار بروتريه محتمل لأندريه ديل فيروكيو بريشة أحد تلاميذه. أعلى اليمين بروتريه يرجح أن يكون لساندرو بوتيشيلي من لوحته تبجيل المجوس المؤرخة في 1478. أسفل اليسار: بيترو بيروجينو، لوحة شخصية من عام 1500. أسفل اليمين: لورينزو دي كريدي، لوحة شخصية، 1488.  شابان ندّان في عمر الحياة والحب ليوناردو دا فينشي والبيروجيني القلب وبير الكنيسة، الراسم العابد الرب يصف هذا السجع ليوناردو والبيروجيني على أنّهما "شابان ندّان في عمر الحياة وفي الحب." لكنَّ الثاني هو بيروجيني الذي تم إفراده في العبارة الأخيرة "الراسم الرب".  أما تلميذ فيروكيو الشهير الآخر فقد كان شاباً وسيماً وابناً لصائغ الذهب لورينزو دي كريدي. والمولود حوالي سنة 1457، فقد كان أصغر من ليوناردو وجاء بعده إلى المرسم. وأول أعماله المقبولة كانت السيدة العذراء والطفل مع يوحنا المعمدان والقديس دوناتوس في بيستويا، وكان قد بدأها حوالي عام 1476. وفي واحدة من خطوات قطعة المذبح هذه كانت لوحة البشارة الصغيرة التي كان من الواضح أنها مستوحاة من لوحة ليوناردو التي تحمل الاسم ذاته، وربما كانت عملاً مشتركاً بينهما.  في عام 1480 ذكرت الأرملة أم كريدي في إقرارها الضريبي أنَّ لورينزو قد حصل على أجر يبلغ  12 فلوريناً في السنة في المرسم. قد يكون هذا راتباً أساسياً، مضمناً مبالغ لسداد قيمة أعمال معينة بناءً على مهام محددة. وبعد مغادرة فيروكيو إلى مدينة البندقية في أوائل ثمانينات القرن الخامس عشر، كان كريدي يخلفه على الورشة بكل جدارة، وقد سماه فيروكيو وريثاً وقائماً على تنفيذ وصيته.  وبحسب فازاري فإنَّ فيروكيو "أحبّ" لورينزو أكثر من تلاميذه الآخرين- ربما قفزت فكرة المثلية الجنسية هنا: كيف يمكننا ألا نعرف على وجه الدقة. إنَّ الإدعاء المتكرر بأنّ ليوناردو قد "تعرّف" على المثلية الجنسية في مرسم فيروكيو، غير مؤكد.    ونحن لا نعلم شيئاً عن علاقات ليوناردو بالبيروجيني ولا بكريدي، فلا جاء لها ذكرٌ في مخطوطاته ولا كان اختيار فيروكيو معلماً له لهذا السبب. إنها السخرية اللاذعة أو الصمت العالي، فنحن لا نجد كثيراً من حس الامتنان تجاه الفنانين الذين تعلم ليوناردو منهم ومعهم بداية صنعته.   وأخيراً أصبح التلميذ جاهزاً للتلوين، والذي يعني في العرف أنّه أصبح قادراً على أداء بعض أعمال التلوين. إنَّ من الأمور البدهية في عصر النهضة، التعاون والتشارك في رسم اللوحات، وأنَّ العمل الذي يكون بريشة فنان محدد، دائماً ما يكون لفنان آخر يد فيه، فيتم تنفيذ بقية اللوحة على أيدي المساعدين والتلاميذ الذين يعملون تحت إشرافه. في بعض الأحيان تكون هنالك عقود تنص على قدر معين من تكريس الجهود للوحة. ولقد نصَّ أحد عقود بيرو ديلا فرانشسكا على أنْ " لا يجوز لأي رسام آخر وضع يده على الفرشاة سوى بيرو نفسه، وعلى فيلبي ليبي أن يوافق على أن تكون لوحته الجصّية على معبد ستروتسي في كنيسة سانتا ماريا نوفيلا ستكون " بيده هو بالكامل، خاصة الشخوص".    ولكن كان مقبولاً بشكل عام أنَّ لوحات المرسم أعمال غير حصرية للمعلم.   وإحدى لوحات مرسم فيروكيو الأكثر سحرا،ً هي لوحة توبياس والملاك الصغيرة في المعرض الوطني، بلندن. فقد رُسمت حوالي 1468-1470. وقصة توبياس (بالطليانية Tobiolo) موجودة في كتاب توبياس الملفق: وهي تحكي عن مهمة صبي يسعى لعلاج عمىً بأبيه، وحراسة الملاك رافاييل له أثناء مغامراته. فهي ذات ملامح لأسطورة أو قصة خيالية، ونبرة لا تخلو من سلوى لقيم وتقاليد العائلة، كما أنّها أصبحت سمة صورية شائعة. لوحة توبياس لفيروكيو تعتبر واحدة من الأشكال العديدة في ذلك الوقت: فهنالك روايات متشابهة جداً للأخوة بولايولو وفرانشسكو بوتيشيني، وجميعها تحمل رسماً لسمكة وكلبٍ يمثلان بدورهما جزءاً من القصة. لوحة بولايولو الزيتية هي الأقدم من بين الثلاث، وقد اتبع فيروكيو بنيتها. فقد أُعطي شكلين اثنين أكثر حيوية وحركة- وتقبض الريح ملابسهما، وشرابة حزام توبياس تتأرجح هنا وهناك مع شجرة صغيرة على البعد. ولكن أجنحة الملاك ليست جيدة بما يناسب مستوى الإخوة بولايولو". والخلفية مملة- لم يكن لدى فيروكيو أي مشاعر حقيقية تجاه اللوحة.  وبحسب مؤرخ الفن دفيد ايه. براون، فإنَّ هذه المحددات التقنية على وجه الدقة والتي تمثل دليلاً على ملكية اللوحة المشتركة، مثل الشخوص الإنسانية فيها، تفوق تلك التي تضمنتها لوحات بولايولو.  أما الحيوانات، وبعبارة أخرى، هي أيضاً أكثر جودة مقارنة بأعمال فيروكيو. فمقاييس السمكة ذات درجات رمادية وبيضاء مشرقة، لكنها منفذة بأسلوب الصبغ التقليدي، ويظهر فيها بجلاء الحس العبقري بالضوء والسطوح. أما الكلب الصغير الأبيض الذي يقفز على طول الطريق إلى جانب الملاك: فهو من النوع ذاته في كلا اللوحتين- كلب صيد من نوع تيرير البولوني- ولكنه في لوحة فيروكيو يبدو أكثر حيوية وانتباهاً وحركة. وفراؤه الطويل الحريري يتبعثر وينساب، مرسوماً بدقة تجعل الكلب يبدو شفافاً. ويمكنك رؤية خط من اللوحة السابقة أسفل منه. تبدو الحيوانات وهي تتحرك مثل صورة ثلاثية الأبعاد تقع فويق سطح اللوحة: كلب من حكاية خيالية. (اللوحة 4) ومن المستبعد أن يكون الكلب والسمكة من أعمال فيروكيو نفسه، والذي ظهر أسلوبه القوي الذي يميل إلى النحت في اثنين من الأشكال الأساسية. وهما من عمل أحد المساعدين، وذلك المساعد هو ليوناردو بالتأكيد. ومقارنة فرو الكلب بشعر ملائكة ليوناردو دافنشي من أوائل سبعينيات القرن الخامس عشر تبين أوجه الشبه الدقيقة بينهما. وربما كانت هنالك مساهمة في أغلب الأحوال من ليوناردو بخصوص تجعيدات شعر توبياس، والذي لديه الغرة المبعثرة ذاتها التي كانت لدى ملاك ليوناردو في لوحة البشارة.  كما قد أظهرت التحليلات الميكروسكوبية ضربات فرشاة نفذت من قبل شخص أعسر، وذلك في منطقة التجعيدات فوق أذن توبياس. أما لوحات فيروكيو الأخرى فربما تضمنت ضربات باكرة من فرشاة ليوناردو في بعض طيات أو بزات أو أركان المنظر الطبيعي، ولكن هنالك أولى المساهمات الواضحة – كلب صغير، سمكة، شلال من الشعر الأجعد، وجميعها نفذت بتلك اللمسة الرقيقة واللامعة والتي ستزداد كمالاً مع مَرِّ السنوات، ولكنها تبدو بالفعل علامةً على هذه الدربة العظيمة.      لوحة فيروكيو توبياس والملاك       ------------------------------------------------  ليوناردو دافنشي: رحلات العقل تأليف: تشارلز نيكول ترجمة: أميمة حسن قاسم محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات. بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة صفحتنا الرسمية في فيس بوك : https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/ منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا  https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar (جميع الحقوق محفوظة) , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 10 - البحر الكبير
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 9 - مطاردة الليل
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 5 - المرض،الخيانة، المرايا
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 6 - آخر الرحلات إلى فلورنسا
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 3 - المعمدان وباخوس
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 4 - الطــــــوفان
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - الجزء الثامن - الأعوام الأخيرة 1513 - 1519