محمد أحمد خليفة السويدي - القرية الإلكترونية - Spreading Knowledge - محمد أحمد السويدي - محمد السويدي
Arabic    

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 9 - جنيفرا


2019-06-06
اعرض في فيس بوك
التصنيف : رحلات عقل

 

 

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
  
9-  جنيفرا
"ما أعذب كل نسمة تحفها، أينما التفتت القت بأنوارها المحببة." 
  أنجلو بوليزيانو، قاعات المبارزة
 
لقد ورد ذكر لوحة ليوناردو لوجه جنيفرا دي بينتشي (اللوحة 6) للمرة الأولى في بدايات القرن السادس عشر، على لسان أنطونيو بيلي ومن بعده المجهول، وفازاري، ولكن دام الاعتقاد بأنَّ اللوحة مفقودة لفترة طويلة. ولم يتم التعرف عليها إلا في بداية القرن الماضي، وهي لوحة نصفية لسيدة، ثم أصبحت بشكل غامض ضمن مجموعة أمير ليختينشاين في قلعة فادوز.  أما السيدة الجالسة، فمن الملاحظ أنها تجلس ونبات العرعر من ورائها- بالإيطالية [ginepro]، وعليه فلا يخلو الأمر من جناس لفظي بين الكلمتين. وقد أثبتت الدراسات الأخرى اللاحقة أنّ هذه اللوحة هي جنيفرا ليوناردو بالفعل. وهي موجودة الآن في المعرض الوطني للفنون بمدينة واشنطن- وتعتبر الوحيدة من بين أعماله الكبرى التي تقيم خارج أوروبا. إنّها أولى لوحاته الشخصية. وقد أدعوها أيضاً أول تحفة فنية من عمل يده. 
إنّها لوحة صغيرة- يقل طولها عن 15 بوصة بقليل، بيد أنّها كانت أكبر حجماً- ولكنّها تتميز بكثافة غير عادية في المشاعر التي تحرّكها. وجهها شاحب، ومستدير ومكتئب، إنّه يشّع باتجاه شجيرات العرعر القاتمة، مثل قمر يبزغ من بين الغمائم، وحقاً يلمع الضوء الذي يقع على الخلفية الأبعد، فوق المياه ويمسُّ الأشجار الرقيقة التي تبدو مثل الأطياف، والذي قد يكون هو ضوء القمر أيضاً إذ أنّه من المفترض أنَّ الوقت الذي تظهر فيه اللوحة هو الغسق. 
يظهر على جفني السيدة الجالسة التثاقل، وعلى نظرتها التجريد، ومهما كان ما تنظر إليه هاتان العينان الجميلتان، فلا يبدو أنّ بمقدورهما الرؤية. إنّها تنظر إلى بعيد لا يمكن معرفة مدى بعده. إنّها- كما يجوز القول- على بعد أميال. شعرها، أشقر أو كستنائي اللون، وحيث تم تصفيفه بعناية باتجاه الرأس، يبدو ناعماً ولامعاً- وفي هذا  إشارة لاستخدامها زيتاً معطراً لتثبيت الشعر- ولكنّه يشكل سلسلة من الحلقات والدوائر الصغيرة في محيط وجهها. 
وفي وسط هذا السكون السحري للوحة تمنحنا تلك التجعيدات الدائرية الملتفة والمبرومة إحساساً مباغتاً بالتحرر من القيود والإلقاء بها بعيداً. إنها دفعة من الحيوية في غمرة طابع اللوحة الجامد إلى حدٍ يكاد يصل إلى الكبت. وهي أيضاً، بالفعل واحدة من العلامات المسجلة لليوناردو (انظر إلى توبياس وملائكته): إنّها ما يريده منه المشتري الحصيف. 
وأنا أعتبر هذه اللوحة هي أولى أعمال ليوناردو الأصلية: وهي مفردة موضوعية وقاصرة على نحو كبير، ولكنها أفضل ما يعبر عن رعشة الفتنة والغموض التي تستثيرها اللوحة. وهي بكل تأكيد قد رسمت خلال تدريبه لدى فيروكيو. فبها شبه قريب إلى تمثال الرخام للسيدة التي تحمل باقة من الزهور (بارجيلو، فلورنسا)، والتي قد تكون هي الأخرى لوحة شخصية لجنيفرا. ولكن مافي اللوحة من بيان لا ينبع مما تعلمه لدى فيروكيو: إنه مما جادت به قريحة الرسام وحساسيته. إنّها أول لوحة لليوناردو يشعر فيها المرء بالنظر إلى ما وراء اللوحة، كما ينظر من خلف نافذةٍ ما إلى أحد الأماكن الساحرة. إنّها تخبرنا عن العالم حينما يُرى بنوع من النشوة. فللنعومة المرمرية لوجه جنيفرا دور في هذه السمة الحالمة: إنّها ليست من البشر-تماماً. كان هذا هو التأثير المنشود- فقد تم صقل سطح طلاء الوجه بيد ليوناردو نفسه. 
 
تمثال فيروكيو لامرأة من الرخام تحمل باقة من الزهور، 1476
 
 
يحتمل أن تكون هذه دراسة لذراعي جينفرا دي بينشي في الجزء المفقود من لوحتها
وقد كانت جينفرا دي بينتشي- أو "البينشية" كما يدعوها بوليزيانو- شابة ذكية وغنية وجميلة.  وقد كتب عنها الشاعر اليساندرو براتشيسي، " Pulchrior hac tota non cernitur urbe puella/ Altera nec maior ulla pudicitia"- " ليس في كل هذه المدينة فتاة أجمل، ولا أطهر." لقد ولدت في صيف عام 1457 وعلى الأرجح في إقليم بينشي في أنتيلو، جنوب فلورنسا. وقد برزت العائلة على حساب شعبية آل ميديتشي، والذين عملوا كصيارفة ومستشارين. فقد كان جد جينيفرا جيوفاني، ينتمي في الأصل إلى الطبقة الوسطى الأدنى، وقد كان مقرباً من كوزيمو دي ميديتشي في مجال العمل. ووالدها اميريغو دي بينشي كان مديراً لبنك آل ميديتشي في جنيف. 
وقد كان للأسرة قصرٌ جميلٌ في ميدان الصليب المقدس، والذي أصبح الآن شارع بينتشي. وفي تعداد عام 1457 السنة التي ولدت فيها جنيفرا كان ثراء أميريغو يقدر ب 26000 فلورين، مما جعل عائلة بينتشي هي الأغنى في فلورنسا بعد عائلة ميديتشي (الذين كانت تقدر ثروتهم بأربعة أضعاف ذلك المبلغ). وكان أميريغو هو الآخر يعتبر جامعاً للأعمال الفنية وراعياً للفنون. ولم يكن هو من كلّف ليوناردو بعمل تلك اللوحة، فقد توفي في 1468 وهو ما زال في الثلاثينيات من عمره- ولكنْ مع ذلك فكونه من أوائل رعاة الفيلسوف الفلورنسي مارسيلو فيشينو، فقد نفحه بمخطوطة يونانية نادرة من مخطوطات أفلاطون.
في يناير 1474 ، وفي عمر السادسة عشر، تزوجت جنيفرا من تاجر أقمشة يدعى لويجي دي بيرناردو نيكوليني. وقد كان هنالك اعتقاد بأنَّ لوحة ليوناردو كانت بمناسبة الزفاف، وقد جاء تكليفه بها من قبل زوجها، ولكن جنيفرا ارتبطت وبشكل لا يخفى على أحد بالدبلوماسي الفينيسي اللامع ولكن في إثارة الصخب بيرناردو بيمبو، ويشير أحد الأدلة الحديثة إلى أنّه كان هو من كلّف ليوناردو برسمها. وقد وصل بيمبو إلى فلورنسا كسفير من مدينة البندقية، وفي يناير 1475 كان في بدايات أربعينيات عمره، وله زوجة وولد في الثانية من العمر، وعشيقة وابن منها في مكان آخر من حياته، ولكنه سريعاً ما ألقى بنفسه في علاقة إفلاطونية علنية مع جنيفرا. وقد كان هذا النوع من العلاقات جائزاً: لم يكن خارجاً على تقاليد ذلك العصر، موظفاً متعجرفاً، بيد أنّ هنالك دلائل تشير إلى أنَّ علاقتهما كانت تجاهد وقوفاً على حدود العفة. وقد كتب كريستفورو لاندينو قصيدة حول ذلك، متندراً بأنَّ "تماهيها في شخص حبيبها لا يحتاج سوى تغيير حرفين من اسمها،" " ولما كانت في يوم من الأيام تدعى بينشا، فسيصبح اسمها بيمبا". كما كان الشاعر براكيزي يخفف آلام البين من خلال" جمعه لأزهار البنفسج التي كانت تسقطها عمداً من صدرها حتى يتسنى له أخذها سراً إلى برناردو". (وربما تشير الأزهار في منحوتة فيروكيو إلى هذه اللعبة الغرامية، بيد أنّها عادة ما تعرف بأزهار الربيع) وتصفها ملاحظة بخط يد بيمبو نفسه على أنّها" المرأة الأجمل، وتشتهر بفضيلتها وأخلاقها". كانت جنيفرا هي الأخرى شاعرة، واستجابت دون شك شعراً  لاهتمام بيمبو الذي لا يخلو من شهامة. وقد نجا من شعرها سطر واحد فقط تقول فيه " الرحمة هي ما أرجو، فما أنا سوى نَمِرةٍ برّيةٌ" – 'Chieggo merzede e sono alpestro tygre'.
وعلى الجانب الآخر من اللوحة رسم ليوناردو جهازاً رمزياً يبين مرة أخرى الجناس البصري للعرعر: غصن من نبات العرعر محاط بإكليل من الزهور مكون من أغصان اللاورو وسعف النخيل، وشعارٌ على لفافة يقول "يزّين البهاء الفضيلة"، في تعبيرٍ عن الفضاء المشترك للإفلاطونية البتراركية حيث يجسد الجمال الظاهري الفضيلة الروحية الداخلية".  
هذا الجهاز يزخر بالمعلومات بشكل غير متوقع. ولنبدأ به، فهو أصلي، رأسياً وأفقياً، وفي الوقع هنالك جزء مفقود من الحافة الجانبية للوحة. هذا يبين بوضوح أنَّ اللوحة قد اقتصت إلى حدٍ ما، على افتراض أنَّ الجهاز كان متوضعاً في الوسط على ظهر اللوحة، ولابد أن يكون اللوح أوسع ببضع بوصات على الجانب الأيمن (بعبارة أخرى على الجانب الأيسر من اللوحة نفسها)، وأطول بحوالي الثلث، والجزء المفقود يكون في أسفل اللوح. ولهذا الشيء مضامين رائعة بالنسبة للرسم نفسه، والذي في أصله كان يصور جنيفرا حتى وسطها على الأغلب. وفي مجموعة ويندسر دراسة بديعة لأيدي- في الحقيقة زوج من الرسومات التمهيدية، تركّز كلٌ منهما على إحدى اليدين. اليد اليمنى تمسك بشيء ما، بيد أنّه غير واضح بما يكفي لمعرفة ماهيته. وربما تشير الخطوط إلى سيقان حزمة من الأزهار. وقد يكون هذا الرسم أيضاً دراسة لأيدي جنيفرا دي بينشي كما تبدوان في الجزء السفلي المفقود من اللوحة.  وقد ذُكرت يدا جنيفرا الحقيقيتان الجميلتان و "أناملها البيضاء مثل العاج" على لسان كلٍ من لاندينو وبراتشي.
أما الجهاز على ظهر الورقة فيؤكد صلة اللوحة بالتحديد ببرناردو بيمبو، لأنّ بيمبو اعتاد على استخدام شعار اللورو والنخيل –على نحو دقيق كما يظهر هنا قرب غُصين العرعر. وقد وجد في مخطوطتين تتعلقان ببيمبو مؤخراً في إنجلترا. وإحدى نسخه، بخط يد بيمبو نفسه، في نسخته الخطية لكتاب مارسيليو فيشينو " في الحب" [De amore] (مداخلات حول منتدى أفلاطون، كُتبَت في بداية ستينيات القرن الخامس عشر، ونُشرت في 1469)؛ وفي هامش هذه المخطوطة، كتب بيبمو الكلمات عن جنيفرا والتي قمت باقتباسها آنفاً. وهناك نسخة أخرى لإكليل الزهور في مكتبة كلية إيتون، في نسخة مخطوطة " رحلات بيمبو" [Bembicae Peregrinae]، وهي قصيدة تصف رحلته إلى إسبانيا في الفترة من1468-1469.  إذن فجهاز ليوناردو قد صوّر جينفرا مرتبطة ببيمبو من خلال الشعارات. ويؤكد هذا الشي أنَّ اللوحة قد رُسمت بتكليفٍ – ليس من زوجها، كما يُفترض حتى اليوم، في مناسبة زواجهما في 1474، ولكن من قبل حبيبها العذري بعدها بسنة أواثنتين. وكان بيبمو سفيراً في فلورنسا في فترتين- بين يناير 1475 وأبريل 1474، وبين يوليو 1478 ومايو 1480. وبحسب الدليل الأساليبي  فإنَّ الرحلة الأولى تقدم تأريخاً أقرب للصحة بالنسبة للتكليف برسم اللوحة.  
وأول ظهور لبيمبو في فلورنسا يسجل وجوده في بطولة جوليانو دي ميديتشي في 28 يناير 1475، وربما قابل جنيفرا هنا لأول مرة على الأرجح، وانجرف بموجات الحب العذري الذي كان ولحد كبير هو الطابع الغالب على بطولة جوليانو، كما يمكن استنتاج ذلك من قصيدة بوليزيانو الأنيقة الشهية، Stanze per la giostra، غرف البطولة، والتي خلدتها. ويعطينا المقطع الذي اقتبسته في بداية هذا الفصل مثالاً على تلك النبرة-  "ما أعذب كل نسمة تحفها، أينما التفتت ألقت بأنوارها المحببة."  وإنّه لمن المحتمل جداً أن يكون الرسم التمهيدي لفيروكيو عن فينوس وكيوبيد في الأوفيزي: عبارة عن تمديد مثلث في شكله يشير بقوة إلى أنّه دراسة لنموذج. ففينوس ليست سوى أنثى فيروكيو الأنيقة البضة. أما كيوبيد، وبحركاته السريعة المندفعة- بيد واحدة تمسك بالسهم من كنانته، والأخرى تمتد بكل وقاحة إلى صدر الرّبةِ العاري- وقد نُسبت إلى ليوناردو. 
أما أيقونة الجيوسترا فقد كانت هي عشيقة جوليانو الخاصة، وهي سيمونيتا كاتاني جميلة جينوا الشابة، وزوجة ماتيو دي فيسبوتشي. (كانت عشيقة جوليانو بذات النحو الإفلاطوني اللعوب الذي كانت عليه جنيفرا عشيقةً لبيمبو، بيد أنَّ فيسبوتشي لم يكن يستمتع بدوره كديوث أفلاطوني، ولذلك حدثت بعض التوترات بين فيسبوتشي وآل مديتشي كنتيجة لذلك) 
وضمن التصوير الرمزي للجيوسترا تم ربط سيمونيتا بفينوس، ربّة الهوى: وهنالك شيء غير قليل من شعر بولزيانو البديع حول هذا الموضوع. وبالمقابل يتصل هذا بخبر قديم مفاده أنَّ سيمونيتا كانت نموذجاً لفينوس في لوحة بوتيشيلي ميلاد فينوس، وللشخصية الفينوسية بالقدر ذاته على الجانب المقابل لليد اليسرى في لوحته البرايمافيرا. وكانت تحدق في الأخيرة باهتمام باتجاه رجل شاب داكن السحنة يشرئب إلى تفاحة- ومن المعقول أن تكون هذه صورة شخصية لجوليانو. فقد جاء التكليف برسم هذه اللوحات في بدايات 1480 من قبل قريب جوليانو لورينزو دي بير فرانشسكو دي ميديتشي من أجل قصره في كاستيلو.  وعندما اكتمل رسم اللوحتين كان كلٌ من سيمونيتا وجوليانو قد توفيا- هي بالسلّ وهو بطعنة من خنجر غدرٍ في 1478. وقد نفذت صورتها بحنين، فهي ذكرى للحظة مفعمة بالشغف من لحظات الجيوسترا. 
هل من الممكن؟ إنني أتساءل، هل ذلك الطابع الشعري الفينوسي الذي انبثق من بطولة عام 1475، والذي تم استحضاره لاحقاً في لوحات بوتيشيلي الشهيرة تلك، قد يكون هو الآخر سمة لأجواء جنيفرا ليوناردو تحديداً؟ وتشير قطعة قصيرة من عمل مارسيليو فيشينو إلى أنّ الأمر كذلك. وفي هذه (الرسوم التي تصور الحياة في الجنّة) [De vita coelitus compranda]، والمكتوبة في بدايات سبعينيات القرن الخامس عشر، محادثات فيشينو حول ما يمكن أن يلخص ضمن سحر الإفلاطونية الحديثة، وفي واحد من أقسام مقالاته يتناول تصميم التعاويذ. واحدة من هذه التعاويذ، والتي  تمنح "الصحة والقوة"، وصفت بأنها " صورة لفينوس كامرأة شابة[Puella]، تحمل تفاحاً وأزهاراً وترتدي ثوباً باللونين الأبيض والذهبي".  وأعتقد أنَّ لوحة ليوناردو قد تم تصوّرها، نزولاً على طلب بيمبو، كنوع من التعاويذ، صورة فينوسية لجنيفرا. فهي لا تحمل تفاحاً (على حد علمنا)، ولكنّها على الأرجح تحمل أزهاراً، وثوبها ذهبي، وصدريتها بيضاء، وشعرها ووجهها يعكسان هذا الطابع اللوني. وفي هذه القراءة، صورة ليوناردو تبدع لنا جنيفرا كما لو أنّها فينوس، مثلها مثل لوحات بوتشيلي- لاحقاً، وعليه ربما –اشتقاقا- تبين لنا سيمونيتا كاتاني كفينوس. بالنسبة لفيشينو، بالطبع، ترمز فينوس للحب الروحي أكثر منها للحب الجنسي- كما في كتابه في الحبDe amore، والذي نعلم أنَّ بيمبو قد اقتناه، حيث يقال إنّ "نشوة[فضيحة] فينوس" تحوّل روح الرجل إلى إله بفعل حرارة الحب".  وفي عيني بيمبو وليوناردو يلحق هذا النوع من المعاني باللوحات: تعويذة الحب الفلسفي.
علاقة بيبمو مع الفيلسوف فيشينو في تلك السنوات كانت موثقة على نحو جيد. فقد درس بأكاديمية فيشينو الإفلاطونية في كاريجي، وكانت بينهما مراسلات، وقد كتب غزله في جنيفرا في نسخته الخاصة من كتاب فيشينو دي اموري "في الحب". أما علاقته كلها بجنيفرا فقد تمت في أجواء من الأفلاطونية الحديثة للهواة. كان آل بينشي هم أيضاً جزءاً من وسط فيشينو. ونحن نعلم أنَّ والد جنيفرا منح فيشينو نسخة نادرة من مخطوطة يونانية لإفلاطون؛ ونعلم أيضاً أن اثنين من أنسبائها توماسو وجيوفاني دي لورينزو دي بينشي كانا مساعدين أكاديميين لفيشينو. 
وبهذه الأساليب، قرَّبت لوحة جنيفرا بين ليوناردو و مدرسة فيشينو للفلاسفة والشعراء. فالمفوّض وموضوع اللوحة كلاهما ينتميان إلى ذلك الوسط، واللوحة نفسها تشع بالبريق الفيشيني للحب والسحر. ربما كان ليوناردو على الهامش- مجرد يد ترسم، وحِرَفِيّ أجير، ولكنّه شخص لا يصعب إدراك عبقريته الفذّة. لم يكن ليوناردو أفلاطونياً: فقد كان لتمليذ التجربة برنامج مختلف، و"الأسباب الأولى" التي يبحث عنها لا تنبع من "ذهن العالم" الإفلاطوني. وكان يعد بحسب التنصنيف الفلسفي الفضفاض في عصره أرسطياً، منغمساً في أعمال العالم المادي أكثر من غيبية الروح. ولكن بالنسبة لفنان منتصف سبعينيات القرن الخامس عشر- الشاب الطموح، لا بد أن يكون فيشينو ذا شخصية جذابة، ورغبته في تبادل الأفكار المعقدة بأسلوب نثري هاديء ومهذب وباللغة الإيطالية أيضاً: وقد ترجم كتاب في الحب [De amore] إلى الإيطالية في عام 1474، " حتى يصبح هذا المنُّ الشافي في متناول الجميع"- وربما أعجب هذا الشيء ليوناردو. وأنّى له بمقاومة موجز فيشينو حول طموحات أفلاطون الفلسفية: بأنَّ عقول أولئك الذين يمارسون الفلسفة سوف " تستعيد أجنحتها من خلال الحكمة"، وبالتالي تصبح قادرة على " الطيران مرة أخرى إلى مملكة السماء؟"   
وهنالك إشارات مبعثرة على أنَّ لليوناردو صلة بمجتمع فيشينو في صفحة من مخطوطة أتلانتكس، والتي تحتوي على قائمة من الأسماء بخط يد ليوناردو، وعلى رأسها بيرناردو دي سيموني، وعلى الجانب الآخر من الورقة يبدو الاسم مرة أخرى في عدد من الخربشات أو ما يشبه تجربة القلم مكتوبة بالطريقة المرآتية: "bernardo di sim/ di di disimon/ ber bern berna".  والمرشح المنطقي لهذا الرجل في ذهن ليوناردو هو برناردو دي سيموني كونيجياني، والذي كان واحداً من تلاميذ فيشينو. وبالحكم على المخطوطة والرسومات التكنولوجيا الأولى على ظهر الورقة، فتأريخ كتابة تلك الصفحة تقديراً يعود إلى الفترة من 1478-1480. وقد وجدت مقتطفات من النص في الصفحة. ليوناردو في حالة كآبة، أو في غمرة مزاج فلسفي: 'Chi tempo ha e tempo aspetta prede l'amico' (" من كان لديه الوقت وينتظر أن تحين اللحظة سيخسر صديقه")؛ و ' Come io vi disse ne di passati, voi sapete che io sono sanza alcuni degli amici' ("كما أخبرتك قبل أيام خلت، أنت تعلم أنني بلا أي أصدقاء)؛ وهذه الملاحظة الصغيرة المؤرقة:
Essendomi sollecitato
S'amor non e che dunque
[ قد أُضطرِمت فيَّ النار الآن، فإن لم يك ثمّة حبٌ، فماذا بعد؟]
وفي لوحة جنيفرا نفسها شيء من هذه الكآبة، ونبرة الحب المهمل. فعلى الرغم من تعابير المرأة الشابة الملائكية، إلا أنّ الرائي ليجد فيها أيضاً حقيقة أكثر إنسانية، وهي أنّ وراء هذه الحالة الأفلاطونية الملهمة قلوباً حقيقية تتفطر. وفي إقرار عام 1480، كان زوج جنيفرا، لويجي- والذي أميل إلى تسميته بالزوج المعذَب- يتحدث عن تكاليف تحملها بسبب "مرضها". ولا يمكن أن يعتبر هذا حقيقة واقعة (بسبب الرغبة في الحصول على إعفاء ضريبي)، ولكنّه تزامن مع مغادرة بيمبو الأخيرة لفلورنسا، في مايو 1480، وقد عقب ذلك انتقال جنيفرا إلى العيش في الريف. وقد خاطبها لورينزو دي مديتشي باثنتين من الأهازيج [السونيتات]  يشير فيهما إلى ذلك الأمر. ويمدح فيهما قرارها بترك آلام وشرور المدينة، وإشاحة نظرها عنها إلى الأبد. وليس لدينا علم عما إذا كانت قد كرّست نفسها لحياة تنسك وتعبد في عزلة ريفية، كما توحي هذه القصائد، ولكن لم يسمع عنها الكثير بعد علاقتها الوجيزة والرائعة مع بيمبو، وهذا الشيء اليسير من خبرها بعد ذلك يبدو أنّه قد صدر بأثر رجعي: جمال آسر لعمر انقضى. لقد ماتت، أرملة بلا أطفال حوالي عام 1520.
 
 
 
------------------------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
تأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)

    ليوناردو دافنشي: رحلات العقل    9-  جنيفرا "ما أعذب كل نسمة تحفها، أينما التفتت القت بأنوارها المحببة."    أنجلو بوليزيانو، قاعات المبارزة   لقد ورد ذكر لوحة ليوناردو لوجه جنيفرا دي بينتشي (اللوحة 6) للمرة الأولى في بدايات القرن السادس عشر، على لسان أنطونيو بيلي ومن بعده المجهول، وفازاري، ولكن دام الاعتقاد بأنَّ اللوحة مفقودة لفترة طويلة. ولم يتم التعرف عليها إلا في بداية القرن الماضي، وهي لوحة نصفية لسيدة، ثم أصبحت بشكل غامض ضمن مجموعة أمير ليختينشاين في قلعة فادوز.  أما السيدة الجالسة، فمن الملاحظ أنها تجلس ونبات العرعر من ورائها- بالإيطالية [ginepro]، وعليه فلا يخلو الأمر من جناس لفظي بين الكلمتين. وقد أثبتت الدراسات الأخرى اللاحقة أنّ هذه اللوحة هي جنيفرا ليوناردو بالفعل. وهي موجودة الآن في المعرض الوطني للفنون بمدينة واشنطن- وتعتبر الوحيدة من بين أعماله الكبرى التي تقيم خارج أوروبا. إنّها أولى لوحاته الشخصية. وقد أدعوها أيضاً أول تحفة فنية من عمل يده.  إنّها لوحة صغيرة- يقل طولها عن 15 بوصة بقليل، بيد أنّها كانت أكبر حجماً- ولكنّها تتميز بكثافة غير عادية في المشاعر التي تحرّكها. وجهها شاحب، ومستدير ومكتئب، إنّه يشّع باتجاه شجيرات العرعر القاتمة، مثل قمر يبزغ من بين الغمائم، وحقاً يلمع الضوء الذي يقع على الخلفية الأبعد، فوق المياه ويمسُّ الأشجار الرقيقة التي تبدو مثل الأطياف، والذي قد يكون هو ضوء القمر أيضاً إذ أنّه من المفترض أنَّ الوقت الذي تظهر فيه اللوحة هو الغسق.  يظهر على جفني السيدة الجالسة التثاقل، وعلى نظرتها التجريد، ومهما كان ما تنظر إليه هاتان العينان الجميلتان، فلا يبدو أنّ بمقدورهما الرؤية. إنّها تنظر إلى بعيد لا يمكن معرفة مدى بعده. إنّها- كما يجوز القول- على بعد أميال. شعرها، أشقر أو كستنائي اللون، وحيث تم تصفيفه بعناية باتجاه الرأس، يبدو ناعماً ولامعاً- وفي هذا  إشارة لاستخدامها زيتاً معطراً لتثبيت الشعر- ولكنّه يشكل سلسلة من الحلقات والدوائر الصغيرة في محيط وجهها.  وفي وسط هذا السكون السحري للوحة تمنحنا تلك التجعيدات الدائرية الملتفة والمبرومة إحساساً مباغتاً بالتحرر من القيود والإلقاء بها بعيداً. إنها دفعة من الحيوية في غمرة طابع اللوحة الجامد إلى حدٍ يكاد يصل إلى الكبت. وهي أيضاً، بالفعل واحدة من العلامات المسجلة لليوناردو (انظر إلى توبياس وملائكته): إنّها ما يريده منه المشتري الحصيف.  وأنا أعتبر هذه اللوحة هي أولى أعمال ليوناردو الأصلية: وهي مفردة موضوعية وقاصرة على نحو كبير، ولكنها أفضل ما يعبر عن رعشة الفتنة والغموض التي تستثيرها اللوحة. وهي بكل تأكيد قد رسمت خلال تدريبه لدى فيروكيو. فبها شبه قريب إلى تمثال الرخام للسيدة التي تحمل باقة من الزهور (بارجيلو، فلورنسا)، والتي قد تكون هي الأخرى لوحة شخصية لجنيفرا. ولكن مافي اللوحة من بيان لا ينبع مما تعلمه لدى فيروكيو: إنه مما جادت به قريحة الرسام وحساسيته. إنّها أول لوحة لليوناردو يشعر فيها المرء بالنظر إلى ما وراء اللوحة، كما ينظر من خلف نافذةٍ ما إلى أحد الأماكن الساحرة. إنّها تخبرنا عن العالم حينما يُرى بنوع من النشوة. فللنعومة المرمرية لوجه جنيفرا دور في هذه السمة الحالمة: إنّها ليست من البشر-تماماً. كان هذا هو التأثير المنشود- فقد تم صقل سطح طلاء الوجه بيد ليوناردو نفسه.    تمثال فيروكيو لامرأة من الرخام تحمل باقة من الزهور، 1476     يحتمل أن تكون هذه دراسة لذراعي جينفرا دي بينشي في الجزء المفقود من لوحتها وقد كانت جينفرا دي بينتشي- أو "البينشية" كما يدعوها بوليزيانو- شابة ذكية وغنية وجميلة.  وقد كتب عنها الشاعر اليساندرو براتشيسي، " Pulchrior hac tota non cernitur urbe puella/ Altera nec maior ulla pudicitia"- " ليس في كل هذه المدينة فتاة أجمل، ولا أطهر." لقد ولدت في صيف عام 1457 وعلى الأرجح في إقليم بينشي في أنتيلو، جنوب فلورنسا. وقد برزت العائلة على حساب شعبية آل ميديتشي، والذين عملوا كصيارفة ومستشارين. فقد كان جد جينيفرا جيوفاني، ينتمي في الأصل إلى الطبقة الوسطى الأدنى، وقد كان مقرباً من كوزيمو دي ميديتشي في مجال العمل. ووالدها اميريغو دي بينشي كان مديراً لبنك آل ميديتشي في جنيف.  وقد كان للأسرة قصرٌ جميلٌ في ميدان الصليب المقدس، والذي أصبح الآن شارع بينتشي. وفي تعداد عام 1457 السنة التي ولدت فيها جنيفرا كان ثراء أميريغو يقدر ب 26000 فلورين، مما جعل عائلة بينتشي هي الأغنى في فلورنسا بعد عائلة ميديتشي (الذين كانت تقدر ثروتهم بأربعة أضعاف ذلك المبلغ). وكان أميريغو هو الآخر يعتبر جامعاً للأعمال الفنية وراعياً للفنون. ولم يكن هو من كلّف ليوناردو بعمل تلك اللوحة، فقد توفي في 1468 وهو ما زال في الثلاثينيات من عمره- ولكنْ مع ذلك فكونه من أوائل رعاة الفيلسوف الفلورنسي مارسيلو فيشينو، فقد نفحه بمخطوطة يونانية نادرة من مخطوطات أفلاطون. في يناير 1474 ، وفي عمر السادسة عشر، تزوجت جنيفرا من تاجر أقمشة يدعى لويجي دي بيرناردو نيكوليني. وقد كان هنالك اعتقاد بأنَّ لوحة ليوناردو كانت بمناسبة الزفاف، وقد جاء تكليفه بها من قبل زوجها، ولكن جنيفرا ارتبطت وبشكل لا يخفى على أحد بالدبلوماسي الفينيسي اللامع ولكن في إثارة الصخب بيرناردو بيمبو، ويشير أحد الأدلة الحديثة إلى أنّه كان هو من كلّف ليوناردو برسمها. وقد وصل بيمبو إلى فلورنسا كسفير من مدينة البندقية، وفي يناير 1475 كان في بدايات أربعينيات عمره، وله زوجة وولد في الثانية من العمر، وعشيقة وابن منها في مكان آخر من حياته، ولكنه سريعاً ما ألقى بنفسه في علاقة إفلاطونية علنية مع جنيفرا. وقد كان هذا النوع من العلاقات جائزاً: لم يكن خارجاً على تقاليد ذلك العصر، موظفاً متعجرفاً، بيد أنّ هنالك دلائل تشير إلى أنَّ علاقتهما كانت تجاهد وقوفاً على حدود العفة. وقد كتب كريستفورو لاندينو قصيدة حول ذلك، متندراً بأنَّ "تماهيها في شخص حبيبها لا يحتاج سوى تغيير حرفين من اسمها،" " ولما كانت في يوم من الأيام تدعى بينشا، فسيصبح اسمها بيمبا". كما كان الشاعر براكيزي يخفف آلام البين من خلال" جمعه لأزهار البنفسج التي كانت تسقطها عمداً من صدرها حتى يتسنى له أخذها سراً إلى برناردو". (وربما تشير الأزهار في منحوتة فيروكيو إلى هذه اللعبة الغرامية، بيد أنّها عادة ما تعرف بأزهار الربيع) وتصفها ملاحظة بخط يد بيمبو نفسه على أنّها" المرأة الأجمل، وتشتهر بفضيلتها وأخلاقها". كانت جنيفرا هي الأخرى شاعرة، واستجابت دون شك شعراً  لاهتمام بيمبو الذي لا يخلو من شهامة. وقد نجا من شعرها سطر واحد فقط تقول فيه " الرحمة هي ما أرجو، فما أنا سوى نَمِرةٍ برّيةٌ" – 'Chieggo merzede e sono alpestro tygre'. وعلى الجانب الآخر من اللوحة رسم ليوناردو جهازاً رمزياً يبين مرة أخرى الجناس البصري للعرعر: غصن من نبات العرعر محاط بإكليل من الزهور مكون من أغصان اللاورو وسعف النخيل، وشعارٌ على لفافة يقول "يزّين البهاء الفضيلة"، في تعبيرٍ عن الفضاء المشترك للإفلاطونية البتراركية حيث يجسد الجمال الظاهري الفضيلة الروحية الداخلية".   هذا الجهاز يزخر بالمعلومات بشكل غير متوقع. ولنبدأ به، فهو أصلي، رأسياً وأفقياً، وفي الوقع هنالك جزء مفقود من الحافة الجانبية للوحة. هذا يبين بوضوح أنَّ اللوحة قد اقتصت إلى حدٍ ما، على افتراض أنَّ الجهاز كان متوضعاً في الوسط على ظهر اللوحة، ولابد أن يكون اللوح أوسع ببضع بوصات على الجانب الأيمن (بعبارة أخرى على الجانب الأيسر من اللوحة نفسها)، وأطول بحوالي الثلث، والجزء المفقود يكون في أسفل اللوح. ولهذا الشيء مضامين رائعة بالنسبة للرسم نفسه، والذي في أصله كان يصور جنيفرا حتى وسطها على الأغلب. وفي مجموعة ويندسر دراسة بديعة لأيدي- في الحقيقة زوج من الرسومات التمهيدية، تركّز كلٌ منهما على إحدى اليدين. اليد اليمنى تمسك بشيء ما، بيد أنّه غير واضح بما يكفي لمعرفة ماهيته. وربما تشير الخطوط إلى سيقان حزمة من الأزهار. وقد يكون هذا الرسم أيضاً دراسة لأيدي جنيفرا دي بينشي كما تبدوان في الجزء السفلي المفقود من اللوحة.  وقد ذُكرت يدا جنيفرا الحقيقيتان الجميلتان و "أناملها البيضاء مثل العاج" على لسان كلٍ من لاندينو وبراتشي. أما الجهاز على ظهر الورقة فيؤكد صلة اللوحة بالتحديد ببرناردو بيمبو، لأنّ بيمبو اعتاد على استخدام شعار اللورو والنخيل –على نحو دقيق كما يظهر هنا قرب غُصين العرعر. وقد وجد في مخطوطتين تتعلقان ببيمبو مؤخراً في إنجلترا. وإحدى نسخه، بخط يد بيمبو نفسه، في نسخته الخطية لكتاب مارسيليو فيشينو " في الحب" [De amore] (مداخلات حول منتدى أفلاطون، كُتبَت في بداية ستينيات القرن الخامس عشر، ونُشرت في 1469)؛ وفي هامش هذه المخطوطة، كتب بيبمو الكلمات عن جنيفرا والتي قمت باقتباسها آنفاً. وهناك نسخة أخرى لإكليل الزهور في مكتبة كلية إيتون، في نسخة مخطوطة " رحلات بيمبو" [Bembicae Peregrinae]، وهي قصيدة تصف رحلته إلى إسبانيا في الفترة من1468-1469.  إذن فجهاز ليوناردو قد صوّر جينفرا مرتبطة ببيمبو من خلال الشعارات. ويؤكد هذا الشي أنَّ اللوحة قد رُسمت بتكليفٍ – ليس من زوجها، كما يُفترض حتى اليوم، في مناسبة زواجهما في 1474، ولكن من قبل حبيبها العذري بعدها بسنة أواثنتين. وكان بيبمو سفيراً في فلورنسا في فترتين- بين يناير 1475 وأبريل 1474، وبين يوليو 1478 ومايو 1480. وبحسب الدليل الأساليبي  فإنَّ الرحلة الأولى تقدم تأريخاً أقرب للصحة بالنسبة للتكليف برسم اللوحة.   وأول ظهور لبيمبو في فلورنسا يسجل وجوده في بطولة جوليانو دي ميديتشي في 28 يناير 1475، وربما قابل جنيفرا هنا لأول مرة على الأرجح، وانجرف بموجات الحب العذري الذي كان ولحد كبير هو الطابع الغالب على بطولة جوليانو، كما يمكن استنتاج ذلك من قصيدة بوليزيانو الأنيقة الشهية، Stanze per la giostra، غرف البطولة، والتي خلدتها. ويعطينا المقطع الذي اقتبسته في بداية هذا الفصل مثالاً على تلك النبرة-  "ما أعذب كل نسمة تحفها، أينما التفتت ألقت بأنوارها المحببة."  وإنّه لمن المحتمل جداً أن يكون الرسم التمهيدي لفيروكيو عن فينوس وكيوبيد في الأوفيزي: عبارة عن تمديد مثلث في شكله يشير بقوة إلى أنّه دراسة لنموذج. ففينوس ليست سوى أنثى فيروكيو الأنيقة البضة. أما كيوبيد، وبحركاته السريعة المندفعة- بيد واحدة تمسك بالسهم من كنانته، والأخرى تمتد بكل وقاحة إلى صدر الرّبةِ العاري- وقد نُسبت إلى ليوناردو.  أما أيقونة الجيوسترا فقد كانت هي عشيقة جوليانو الخاصة، وهي سيمونيتا كاتاني جميلة جينوا الشابة، وزوجة ماتيو دي فيسبوتشي. (كانت عشيقة جوليانو بذات النحو الإفلاطوني اللعوب الذي كانت عليه جنيفرا عشيقةً لبيمبو، بيد أنَّ فيسبوتشي لم يكن يستمتع بدوره كديوث أفلاطوني، ولذلك حدثت بعض التوترات بين فيسبوتشي وآل مديتشي كنتيجة لذلك)  وضمن التصوير الرمزي للجيوسترا تم ربط سيمونيتا بفينوس، ربّة الهوى: وهنالك شيء غير قليل من شعر بولزيانو البديع حول هذا الموضوع. وبالمقابل يتصل هذا بخبر قديم مفاده أنَّ سيمونيتا كانت نموذجاً لفينوس في لوحة بوتيشيلي ميلاد فينوس، وللشخصية الفينوسية بالقدر ذاته على الجانب المقابل لليد اليسرى في لوحته البرايمافيرا. وكانت تحدق في الأخيرة باهتمام باتجاه رجل شاب داكن السحنة يشرئب إلى تفاحة- ومن المعقول أن تكون هذه صورة شخصية لجوليانو. فقد جاء التكليف برسم هذه اللوحات في بدايات 1480 من قبل قريب جوليانو لورينزو دي بير فرانشسكو دي ميديتشي من أجل قصره في كاستيلو.  وعندما اكتمل رسم اللوحتين كان كلٌ من سيمونيتا وجوليانو قد توفيا- هي بالسلّ وهو بطعنة من خنجر غدرٍ في 1478. وقد نفذت صورتها بحنين، فهي ذكرى للحظة مفعمة بالشغف من لحظات الجيوسترا.  هل من الممكن؟ إنني أتساءل، هل ذلك الطابع الشعري الفينوسي الذي انبثق من بطولة عام 1475، والذي تم استحضاره لاحقاً في لوحات بوتيشيلي الشهيرة تلك، قد يكون هو الآخر سمة لأجواء جنيفرا ليوناردو تحديداً؟ وتشير قطعة قصيرة من عمل مارسيليو فيشينو إلى أنّ الأمر كذلك. وفي هذه (الرسوم التي تصور الحياة في الجنّة) [De vita coelitus compranda]، والمكتوبة في بدايات سبعينيات القرن الخامس عشر، محادثات فيشينو حول ما يمكن أن يلخص ضمن سحر الإفلاطونية الحديثة، وفي واحد من أقسام مقالاته يتناول تصميم التعاويذ. واحدة من هذه التعاويذ، والتي  تمنح "الصحة والقوة"، وصفت بأنها " صورة لفينوس كامرأة شابة[Puella]، تحمل تفاحاً وأزهاراً وترتدي ثوباً باللونين الأبيض والذهبي".  وأعتقد أنَّ لوحة ليوناردو قد تم تصوّرها، نزولاً على طلب بيمبو، كنوع من التعاويذ، صورة فينوسية لجنيفرا. فهي لا تحمل تفاحاً (على حد علمنا)، ولكنّها على الأرجح تحمل أزهاراً، وثوبها ذهبي، وصدريتها بيضاء، وشعرها ووجهها يعكسان هذا الطابع اللوني. وفي هذه القراءة، صورة ليوناردو تبدع لنا جنيفرا كما لو أنّها فينوس، مثلها مثل لوحات بوتشيلي- لاحقاً، وعليه ربما –اشتقاقا- تبين لنا سيمونيتا كاتاني كفينوس. بالنسبة لفيشينو، بالطبع، ترمز فينوس للحب الروحي أكثر منها للحب الجنسي- كما في كتابه في الحبDe amore، والذي نعلم أنَّ بيمبو قد اقتناه، حيث يقال إنّ "نشوة[فضيحة] فينوس" تحوّل روح الرجل إلى إله بفعل حرارة الحب".  وفي عيني بيمبو وليوناردو يلحق هذا النوع من المعاني باللوحات: تعويذة الحب الفلسفي. علاقة بيبمو مع الفيلسوف فيشينو في تلك السنوات كانت موثقة على نحو جيد. فقد درس بأكاديمية فيشينو الإفلاطونية في كاريجي، وكانت بينهما مراسلات، وقد كتب غزله في جنيفرا في نسخته الخاصة من كتاب فيشينو دي اموري "في الحب". أما علاقته كلها بجنيفرا فقد تمت في أجواء من الأفلاطونية الحديثة للهواة. كان آل بينشي هم أيضاً جزءاً من وسط فيشينو. ونحن نعلم أنَّ والد جنيفرا منح فيشينو نسخة نادرة من مخطوطة يونانية لإفلاطون؛ ونعلم أيضاً أن اثنين من أنسبائها توماسو وجيوفاني دي لورينزو دي بينشي كانا مساعدين أكاديميين لفيشينو.  وبهذه الأساليب، قرَّبت لوحة جنيفرا بين ليوناردو و مدرسة فيشينو للفلاسفة والشعراء. فالمفوّض وموضوع اللوحة كلاهما ينتميان إلى ذلك الوسط، واللوحة نفسها تشع بالبريق الفيشيني للحب والسحر. ربما كان ليوناردو على الهامش- مجرد يد ترسم، وحِرَفِيّ أجير، ولكنّه شخص لا يصعب إدراك عبقريته الفذّة. لم يكن ليوناردو أفلاطونياً: فقد كان لتمليذ التجربة برنامج مختلف، و"الأسباب الأولى" التي يبحث عنها لا تنبع من "ذهن العالم" الإفلاطوني. وكان يعد بحسب التنصنيف الفلسفي الفضفاض في عصره أرسطياً، منغمساً في أعمال العالم المادي أكثر من غيبية الروح. ولكن بالنسبة لفنان منتصف سبعينيات القرن الخامس عشر- الشاب الطموح، لا بد أن يكون فيشينو ذا شخصية جذابة، ورغبته في تبادل الأفكار المعقدة بأسلوب نثري هاديء ومهذب وباللغة الإيطالية أيضاً: وقد ترجم كتاب في الحب [De amore] إلى الإيطالية في عام 1474، " حتى يصبح هذا المنُّ الشافي في متناول الجميع"- وربما أعجب هذا الشيء ليوناردو. وأنّى له بمقاومة موجز فيشينو حول طموحات أفلاطون الفلسفية: بأنَّ عقول أولئك الذين يمارسون الفلسفة سوف " تستعيد أجنحتها من خلال الحكمة"، وبالتالي تصبح قادرة على " الطيران مرة أخرى إلى مملكة السماء؟"    وهنالك إشارات مبعثرة على أنَّ لليوناردو صلة بمجتمع فيشينو في صفحة من مخطوطة أتلانتكس، والتي تحتوي على قائمة من الأسماء بخط يد ليوناردو، وعلى رأسها بيرناردو دي سيموني، وعلى الجانب الآخر من الورقة يبدو الاسم مرة أخرى في عدد من الخربشات أو ما يشبه تجربة القلم مكتوبة بالطريقة المرآتية: "bernardo di sim/ di di disimon/ ber bern berna".  والمرشح المنطقي لهذا الرجل في ذهن ليوناردو هو برناردو دي سيموني كونيجياني، والذي كان واحداً من تلاميذ فيشينو. وبالحكم على المخطوطة والرسومات التكنولوجيا الأولى على ظهر الورقة، فتأريخ كتابة تلك الصفحة تقديراً يعود إلى الفترة من 1478-1480. وقد وجدت مقتطفات من النص في الصفحة. ليوناردو في حالة كآبة، أو في غمرة مزاج فلسفي: 'Chi tempo ha e tempo aspetta prede l'amico' (" من كان لديه الوقت وينتظر أن تحين اللحظة سيخسر صديقه")؛ و ' Come io vi disse ne di passati, voi sapete che io sono sanza alcuni degli amici' ("كما أخبرتك قبل أيام خلت، أنت تعلم أنني بلا أي أصدقاء)؛ وهذه الملاحظة الصغيرة المؤرقة: Essendomi sollecitato S'amor non e che dunque [ قد أُضطرِمت فيَّ النار الآن، فإن لم يك ثمّة حبٌ، فماذا بعد؟] وفي لوحة جنيفرا نفسها شيء من هذه الكآبة، ونبرة الحب المهمل. فعلى الرغم من تعابير المرأة الشابة الملائكية، إلا أنّ الرائي ليجد فيها أيضاً حقيقة أكثر إنسانية، وهي أنّ وراء هذه الحالة الأفلاطونية الملهمة قلوباً حقيقية تتفطر. وفي إقرار عام 1480، كان زوج جنيفرا، لويجي- والذي أميل إلى تسميته بالزوج المعذَب- يتحدث عن تكاليف تحملها بسبب "مرضها". ولا يمكن أن يعتبر هذا حقيقة واقعة (بسبب الرغبة في الحصول على إعفاء ضريبي)، ولكنّه تزامن مع مغادرة بيمبو الأخيرة لفلورنسا، في مايو 1480، وقد عقب ذلك انتقال جنيفرا إلى العيش في الريف. وقد خاطبها لورينزو دي مديتشي باثنتين من الأهازيج [السونيتات]  يشير فيهما إلى ذلك الأمر. ويمدح فيهما قرارها بترك آلام وشرور المدينة، وإشاحة نظرها عنها إلى الأبد. وليس لدينا علم عما إذا كانت قد كرّست نفسها لحياة تنسك وتعبد في عزلة ريفية، كما توحي هذه القصائد، ولكن لم يسمع عنها الكثير بعد علاقتها الوجيزة والرائعة مع بيمبو، وهذا الشيء اليسير من خبرها بعد ذلك يبدو أنّه قد صدر بأثر رجعي: جمال آسر لعمر انقضى. لقد ماتت، أرملة بلا أطفال حوالي عام 1520.         ------------------------------------------------  ليوناردو دافنشي: رحلات العقل تأليف: تشارلز نيكول ترجمة: أميمة حسن قاسم محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات. بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة صفحتنا الرسمية في فيس بوك : https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/ منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا  https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar (جميع الحقوق محفوظة) , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 10 - البحر الكبير
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 9 - مطاردة الليل
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 5 - المرض،الخيانة، المرايا
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 6 - آخر الرحلات إلى فلورنسا
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 3 - المعمدان وباخوس
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 4 - الطــــــوفان
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - الجزء الثامن - الأعوام الأخيرة 1513 - 1519