محمد أحمد خليفة السويدي - القرية الإلكترونية - Spreading Knowledge - محمد أحمد السويدي - محمد السويدي
Arabic    

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 10 - مايكل انجلو


2019-06-19
اعرض في فيس بوك
التصنيف : رحلات عقل

 

 

 

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
 
10-مايكل انجلو
 
سواءً أكان ذلك ما ينويه مجلس الشعب منذ البداية أم لا، فقد تم توثيق القرار بحلول آخر صيف عام 1504: 
نوجه بتوأمة جدارية ليوناردو أو جصيته المعلقة على جدار قاعة المجلس مع أخرى بيد مايكل انجلو، تجسّد نصراً فلورنسياً شهيراً آخرَ. معركة كاسينا، على الجدار المقابل. لقد جمعوا بذلك بين اثنين من أعظم الفنانين الفلورنسيين في ذلك العصر، وجعلوهما يعملان كلٌ قبالة الآخر في قاعة المجلس، وأنّه لمن الصعب تصديق أنّهما لم يعتبرا هذا الشيء كنوع من السباق أو في الحقيقة صراعَ العمالقة، الذي يتوج فيه التنافس الطبيعي على التميز، كما يبدو بالخصومة الشخصية، مما يدفع كلا من الرجلين إلى آفاق أبعد من العبقرية الفنية. 
عندما غادر ليوناردو فلورنسا في عام 1482، كان مايكل آنجلو دي لودوفيكو بوناروتي صبياً في السابعة من عمره يعيش مع عائلة من البنائين في محجر للرخام بسيتينيانو، يملكه والده الذي كان ينحدر من سلالة نبيلة رغم فقره. وبحلول وقت عودة ليوناردو، بعد ثماني عشرة سنة، أصبح مايكل آنجلو نجماً جديداً في الحركة الكاريزيمية الكنسية، الدم الجديد الذي يُضخ من خلال شرايين النحت في عصر النهضة.  وبصفته تلميذا لدومينيكو غيرلاندايو لثلاث سنوات (1488-1491)، ومحمياً للورينزو دي ميديتشي حتى وفاة الأخير في عام 1492، فقد بنى لنفسه شهرة سريعة من خلال أعماله الفلورنسية الأولى مثل تمثال ملاك الحب الرخامي، ومعركة القنطورات الرائعة بأسلوب النحت الغائر، والتي بدا فيها التأثير الكلاسيكي لحديقة لورينزو للمنحوتات التي اختلطت بالفعل بالعضلات المفتولة والأطراف الملتوية في أعماله المتأخرة. 
وكان قد استُدعي في عام 1496 إلى مدينة روما بناء على طلب الكاردينال سان جورجيو: وهنالك أنشأ تمثال باخوس المدمر، والذي كما قال فازاري : " يجمع بين قَدَّ الفتيان الممشوق واستدارة الإناث وامتلائهن". وتجسيده القديس بطرس في تمثال الرحمة. ثم عاد إلى فلورنسا في أواخر عام 1500 أو 1501، وربما كانت هذه هي الفترة التي التقى فيها بليوناردو للمرة الأولى. ويجوز لنا أن نتخيل – فحسب- مايكل آنجلو بين الحشود التي ازدحمت داخل كنيسة البشارة لرؤية لوحة ليوناردو للقديسة آن على الكارتون في ربيع عام 1501- الشاب المذهول الأشعث الرث الذي منحه الله بسطة في الجسم، وحوله هالة هائلة من الثقة بالنفس، ولا غرو فهو ملاكم مشهور وقد سحق تواً أنف بيترو توريجيانو وهو زميل له نحات أثناء مشاجرة بينهما.
 
مايكل آنجلو بوناروتي
وسرعان ما بدأ يعمل في أعظم أعماله الفلورنسية-حتى في أسلوبها، وهو تمثال داؤود التذكاري، والموصوف في الوثائق المعاصرة بأنّه "العملاق المرمري"، أو "العملاق" فحسب. ويعود التواصل مع مجلس الشعب إلى تأريخ 16 أغسطس 1501، في بندٍ ينص على تسليم العمل في عامين وفق إفادة فازاري، وكان الأجر يبلغ 400 فلورينا. ويقال إنّ التمثال الذي يبلغ من الطول ما يزيد على 16 قدماً ويزن حوالي 9 أطنان، استخدمت في صنعه كتلة رخام مهملة كانت تنقَل من مكان إلى آخر في ورشة الكاتدرائية لسنوات عديدة، وبحسب فازاري فإنّ النحات الذي قام بتلميعه يدعى سيموني دا فيزولي، وربما كان المقصود هو سيموني فيرروتشي، وهنالك شهادة أخرى ورد فيها اسم اغسطينو دي دوكيو على أنّه الملمّع. ويقول فازاري أيضاً " إنَّ غونفالونيير سويديريني كثيراً ما كان يتحدث عن تسليم كتلة الرخام إلى ليوناردو"، ولكنه أعطاها إلى مايكل آنجلو بدلاً عنه. وليس هنالك دليل حقيقي على هذا الأمر. 
وفي منتصف عام 1503 بدأ شكل المنحوتة العظيمة يظهر: و"تحررت" بحسب تعبير مايكل آنجلو الشهير من "سجن الرخام". وفي ملاحظة أسفل الرسم التمهيدي لذراع داؤود اليسرى يرسم صورة بطولية حية للنحات:[Davide colla fromba e io coll'arco ]" داؤود بمقلاعه وأنا بقوسي"، أي بكلمات أخرى "إزميل الرخام ذو الشكل المنحني.  كان ليوناردو في هذه الأثناء- إن وجد دليل فازاري قبولاً لدينا- يشرع في العمل على رسم صورة لوجه ليزا ديل جيوكوندو: صفقة جيدة بلا شك ولكنها ليست مجزية. يلخص هذان العملان الشهيران الذهنية الثنائية لعصر النهضة: إحداها تنضح بالثقة التي تخطف شدتها الأنفاس، والثانية باردة باطنية وعصية على الإدراك.
في الخامس والعشرين من شهر يناير عام 1504 شكّل قسم الأشغال بالكاتدرائية لجنة فوق العادة (وهي إدارية في أغلب الأحوال ولكنها استثنائية نسبة للعدد الكبير من المواهب الفنية في عصر النهضة) وذلك لتحديد المكان الملائم والمثالي لعرض العملاق المرمري الهائل الذي كان في ذلك الوقت قد شارف على الاكتمال.  قدمت الدعوة إلى ثلاثين رجلاً: وقد دون على الهامش أنّ أحدهم، أندريه دا مونتي سانسافينو، كان غائباً لتواجده في جينوا، وعليه فيبدو أنَّ التسعة والعشرين الباقين كانوا حضوراً. بجانب ليوناردو كان هنالك أندريه ديلا روبيا، وبيرو دي كوسيمو، ودايفيد غيرلاندايو(الأخ الأصغر للراحل دومينيكو)، وسيمون ديل بوللايولو (المعروف أيضاً باسم إل كروناكا)، وفيلبينو ليبي، وكوسيمو روشيلاي، وساندرو بوتيشيلي، وغوليانو وأنطونيو دا سانغالو، وبيترو بيروجينو، ولورينزو دي كريدي. كما كان " فانتي المينياتير" حاضراً هو الآخر، والذي كان ليوناردو قد أقرضه المال في 1503، وجيوفاني بيفيرو، وهو على الأرجح الموسيقار جيوفاني دي اندريه سيليني، وإل ريكيو اورافو، كيرلي الصائغ، والذي ربما كان هو ريكيو فيورينتينو ذاته، والذي ذكره المجهول الجاديّ كأحد مساعدي ليوناردو في جدارية الأنغياري.
كان رأي ليوناردو حول وضع تمثال داؤود مسجلاً في محاضر الاجتماع. " أقول بأنّه يجب أن يوضع في الرواق"- رواق دي لازي المقابل للقصر القديم- " كما قال جيوليامو، وراء السور القصير حيث يصطف الجنود. ينبغي أن يوضع هناك، وأن يزّين بشكل مناسب، وبتلك الطريقة سوف لن يخل بمراسم الدولة."
وقد وافقه في هذا الرأي غوليامو سانغالو، ولكنه مال إلى أن يوضع عكس المنظر العام، وهو ما كشف عن عداوة بادية، ورفض متعمد لإبداء إعجابه. لندع هذا التمثال الهائل الحجم يوضع جانباً في أحد الأركان بعيداً عن الطريق. أما الأمنية الحقيقية التي استعلنت فهي إقصاء النحات نفسه: هذا العبقري الجلف الدخيل. ولقد برزت فروق دقيقة أخرى في الروايات التي تناولت داؤود الفلورنسي الأول الذي حررته أنامل معلمه فيروكيو، والذي يقال إنّ ليوناردو كان هو المثال له: الآن بعد أربعين سنة أتى هذا التمثال ليمسح صورة وعده اليافع ذاك. 
لم يؤخذ بنصيحته، وتم وضع التمثال في شهر مايو بمنصة أمام المدخل الرئيس للقصر القديم تماماً حيث ينبغي له، وحيث ظل لعدة قرون، وحيث تنتصب نسخته التي تعود للقرن التاسع عشر الآن. قدمت مذكرات لوكا لاندوتشي وصفاً حياً لعملية نقله (وألقت دون قصد بشيء من الضوء على مشكلة التخريب في فلورنسا عصر النهضة).
في الرابع عشر من مايو- " تم أخذ العملاق المرمري خارج قسم الأشغال في الساعة الرابعة والعشرين [8 مساء]، وتعين عليهم تحطيم الحائط فوق الباب حتى يتمكنوا من إخراجه عبره. وقد كانت الأحجار تلقى على التمثال أثناء الليل لإصابته، الشيء الذي استدعى فرض الحراسة عليه. وقد استغرق نقله إلى القصر أربعة أيام [قصر الشعب]، ووصل هناك في اليوم الثامن عشر في الساعة الثانية عشر من الصباح[8 صباحاً]. وشارك في نقله أكثر من أربعين رجلاً. وكانت تحته أربعة عشرة لوح مدهونة بالشحم يتم تبديلها من يد ليد. 
وأخيراً تم نصب التمثال في الثامن من يوليو، وقد عوقب تمثال جوديت لدوناتيللو بأن نُفي إلى ركن قصي من الفناء لإفساح المجال للعملاق. وربما شهد ليوناردو هذا الحدث، أو ربما كان غائباً بحجة مقبولة: عودته إلى كنيسة سانتا ماريا نوفيلا، وحيداً على عربته المدولبة، يقوم ببعض التعديلات على الكارتون الخاص بجدارية الانغياري. 
وربما كانت هذه الفترة التي احتدمت فيها المنافسة بين هذين الفنانين في مشاجرة في الساحة العامة، والتي سجلها المجهول الجاديّ في مقالة مقتضبة وضاجة بالصور تتميز عن بقية الصفحات الأكثر هدوءاً عن سيرة ليوناردو. وهي تُستهل بالمقطع: " Dal Gav"، والذي يشير إلى أنّ ذلك المصدر لم يكن سوى "بي غافين" نفسه، الذي تورده القصة على أنّه رفيق ليوناردو. إنّها ليست سوى شهادة عيان بالأحرى.
كان ليوناردو يسير مع بي دا غافين عبر [ساحة] الثالوث المقدس، واجتازا مقعد سبيني حيث اجتمع بعض المواطنين الذين يتجادلون حول فقرة لدانتي، ونادوا المدعو ليوناردو طالبين منه تفسير القطعة. في تلك اللحظة، صدفةً، كان مايكل آنجلو يمر بالطريق، وأجاب ليوناردو طلبهم قائلاً " إنّ ما يكل آنجلو موجود، وسوف يفسرها لكم" عندها قال مايكل آنجلو الذي اعتقد أنّه أراد أن يسيء إليه بقوله ذاك: " قم أنت بشرحها- أنت الذي صممت حصاناً ليُصب من البرونز، ولم تستطع صبه، وتخليت عنه بسبب الفضيحة." ثم أدار لهم ظهره ومضى. وتُرك ليوناردو وقد أحمرّ وجهه بسبب تلك الجملة.
 
ونسرد هنا القصة بالمزيد من الدقة: إنّهم في ساحة الثالوث المقدس، مجموعة من الأشخاص يناقشون دانتي ويجتمعون في رواق قديم بالقرب من قصر لعائلة آل سبيني من القرون الوسطى (قصر فيروني-سبيني الآن). يقع هذا المبنى في الجانب الجنوبي من الميدان ويمتد حتى ضفة النهر عند جسر الثالوث المقدس. لم يعد هنالك رواق، ولكن يمكن تحديد موقع هذه المناقشة بالبحث عن جداريات دومينيكو غيرلاندايو المرسومة في أواسط ثمانينات القرن الخامس عشر بالقرب من كنيسة الثالوث المقدس في وسط الخلفية، وقصر سبيني إلى اليسار. ليس هنالك ثمة شيء يشبه الرواق على الجدارين الباديين في الصورة (السور الشمالي والسور الغربي)، ومن ثم من البديهي أنّه كان في الجانب الجنوبي، أي أنّها تشرف على النهر.  إذن فيجوز لنا أن نحدد مكان هذه المحاورة الحاسمة بين ليوناردو ومايكل آنجلو على الطريق الممتد بمحازاة نهر آرنو، والمائل قليلاً إلى الجهة الشرقية من الجسر، أي أمام المبنى الذي يشغله الآن متجر أزياء سالفاتوري فيراغامو. 
ولقد تم تناول الحادثة بشيء من الدقة أيضاً: ليوناردو المتقاعد، الذي يصد بكل سرور الدعوة للإفتاء في ما يخص قطعة دانتي، ومايكل آنجلو بحساسيته وحدته وردة فعله النزقة الغاضبة تجاه ما يفترض أنّه أمر بسيط (حيث لا شيء يمكن أن يكون مقصوداً، كما ورد في القصة، مالم يكن هنالك نبرة من التهكم فيه، كما لو كان يقول: " هاهو مايكل آنجلو، العالم بكل الأمور.".
مغادرة الأخير المفاجأة- "volto I rene',  وترجمتها حرفياً " أدار عقبيه"- تاركاً ليوناردو وقد بُهت حرجاً، ونقمةً: "per le dette parole divento rosso'- لقد احمرّ وجهه. كان ليوناردو مهذباً بطبعه، ومايكل آنجلو جارحاً بالسليقة.
في الصفحة التالية من مخطوطة المجهول الجادي، وبعد التقليل من مهارة مايكل آنجلو وقدراته في التشريح، نجد مثالاً آخر لنبرة مايكل آنجلو التهكمية حيال ليوناردو: " في واقعة أخرى، أراد مايكل أنجلو إيذاء [Modere  ومعناها الحرفي: أن يعُض] ليوناردو، فقال له: " إذن فهؤلاء الميلانيون الأغبياء قد آمنوا بك؟" "Que caponi de melanesi'  تترجم: أولئك الميلانيون العظام الرؤوس"، ولكن مفردة caponi تحمل في طياتها من معاني الغباء والعناد أكثر عنها من المباهاة. فإن كانت هذه القصة أصلية هي الأخرى فإنها تشير إلى عداء صريح.
وليس في النص ما يدل على تأريخ حادثة الساحة. فربما حدثت في الفترة ما بين مطلع عام 1501 (عندما عاد مايكل آنجلو من روما) وصيف عام 1502( عندما غادر ليوناردو فلورنسا للالتحاق ببورجيا)، أو بين مارس من عام 1503 (عودة ليوناردو إلى فلورنسا) ومطلع عام 1505 (مغادرة مايكل آنجلو إلى روما). وتشير الإهانة في المرتين إلى إخفاق ليوناردو في مشروع حصان سفورزا، والذي ربما يقترح تأريخاً أسبق، ولكنهما لا تخرجان بالقدر ذاته عن سياق لجنة تمثال داؤود – تصرف ليوناردو المتكبر حيال التمثال مستحضراً القدح في إخفاقاته الخاصة في مجال المنحوتات العملاقة. وهذا من شأنه وضع المواجهة المشحونة في بدايات عام 1504 في فصل الربيع منها، ربما، عندما كان الطقس دافئاً بما يكفي للرجال للتسكع في الرواق يناقشون دانتي. ونجد أنّ نص القصة مسبوقٌ ببعض التعليقات حول لوحة جدارية الانغياري، وأيضاً بحسب شهادة "غاف" أو غافين. 
  
نسخة من كارتون مايكل آنجلو لمعركة كاسينا، تنسب إلى ارسطو دا سانغالو
وربما من هذه الخصومة الشديدة انبثقت فكرة مجلس الشعب بجعل مايكل آنجلو يرسم لوحة أخرى لمشهد المعركة في قاعة المجلس لمناظرة- أو منافسة- لوحة ليوناردو. وكما أعرب عن هذا مايكل آنجلو بنفسه فيما بعد، لقد "تعهد بتنفيذ نصف قاعة المجلس".  وكان موضوعه هو معركة كاسينا، التي كانت جزءاً من حرب سابقة ضد بيزا. والإشارة الأولى لاشتراك مايكل آنجلو متضمنة في مستند يعود إلى اليوم الثاني عشر من سبتمبر عام 1504، والذي مُنح فيه مثله مثل ليوناردو في السنة السابقة-صلاحية استخدام مساحة المرسم الكبيرة، الصالة الكبرى في مستشفى سانت اونوفريو. وقد تمت المصادقة على ذلك في 29 اكتوبر. ويقول فازاري هنا: 
لقد بدأ العمل على قطعة كبيرة من الكارتون والتي لم يسمح لأي شخص برؤيتها. لقد ملأها بصور الرجال العراة الذين يغتسلون في نهر آرنو بسبب الحرارة، عندما صدر الإنذار فجأة في المعسكر بسبب هجوم للعدو. وبينما كان الجنود يخرجون مسرعين من الماء ليرتدوا ملابسهم، قامت أنامل مايكل آنجلو الموهوبة بتصويرهم. في عدة مواقف غير مألوفة، بعضهم واقف، وبعضهم جاثٍ، وآخرون راكعون، أو بين حالين، والجميع يجسد أصعب تقصير للمنظور. 
وتلقى مايكل آنجلو في شهر فبراير التالي مبلغ 280 ليرة من قصر الشعب " مقابل جهوده في تلوين الكارتون". كان هذا المبلغ يعادل حوالي 40 فلوريناً: لا نعرف على وجه التحديد المدة التي استحق عليها هذا المبلغ، ولكن يبدو أنّه يضاهي معاش ليوناردو الذي يبلغ 15 فلوريناً في الشهر. ومن المرجح أنّ كارتون مايكل آنجلو قد اكتمل بحلول ذالك الوقت. " عندما شاهدوا الكارتون اعترى جميع الفنانين الإعجاب والدهشة." وبعد هذا بوقت قصير غادر مايكل آنجلو إلى روما لمناقشة مشروع ضريح يوليوس الثاني المنكوب. ويبدو أنّه لم يسهم بأي شيء آخر في مشروع قاعة المجلس: فليس هنالك من دليل على أنّه شرع في التلوين حتى. أما اللوح فقد ضاع هو الآخر، ولكن نجت منه نسخة جيدة في قاعة هولكام، نورفولك، مقعد إيرل ليشستر السابق والذي كانت فيه حتى ثمانينات القرن العشرين مذكرات ليوناردو المسماة مخطوطة ليشستر.
ولم يتم توثيق الطريقة التي كان ينظر بها ليوناردو إلى هذا التحدي أو التعدي، ولكن يبدو أنّه غادر فلورنسا في سبتمبر أو مطلع اكتوبر عام 1504، بيد أنّه لم تكن هنالك أية أسباب أخرى لرحيله هذا، الذي يتزامن بالضبط مع تكليف مايكل آنجلو بتزيين "نصف قاعة المجلس"، وربما انطوى في جزء منه على انسحاب من المشهد بدافع الغيظ: إضراب.
وكان في هذه المرحلة قد أكمل العمل على الكارتون الخاص به، بنهاية يوليو على الأرجح، وهو تأريخ آخر مدفوعاته المسجلة. ولم يبدأ التلوين في القصر القديم حتى الأسابيع الأولى من عام 1505. لم تكن المواجهة من طبعه: لقد تجنبها أو تملص منها. وهكذا بدأ الصراع الهائل بين عمالقة عصر النهضة: يقف مايكل آنجلو على الباب مستعداً للقتال ولكن ما من أحد في المكان.
 
داؤود ليوناردو 1504. رسم بعد داؤود مايكل آنجلو لكنه ليس له.
في حوالي هذا الوقت يكتب ليوناردو مقالة قصيرة ينتقد فيها الصور التي تبالغ في إظهار عضلات جذع الإنسان: لا يجب عليك إبراز جميع عضلات الجسم بجلاء مالم تكن الأعضاء التي تحمله تعمل في شيء يتطلب القوة أو بذل مجهود عظيم... فإن لم تفعل فسوف يكون ما ترسمه أقرب إلى كيس من الجوز وليس جسداً بشرياً." ربما كانت الملاحظة ليست سوى وكزة في الأجساد المفتولة في كارتون كاسينا الذي رسمه مايكل آنجلو. وكرر الفكرة ذاتها في كتاب آخر: يجب ألا يرسم الجسد بحيث يبدو مثل "حزمة من الفجل" أو "كيسٍ من الجوز"  وكان يستمتع بهذه العبارة. "Un saco di noce…." ويتصوره المرء وهو يرددها بوجه خال من أي تعبير، فيضحك الناس: كان هذا هو سلاحه. وهو أفضل من تلك الإساءات الجارحة التي ألقاها مايكل آنجلو في وجهه ذلك اليوم عند جسر الثالوث المقدس.
إنّه لمن المؤكد لجميع ذلك- أنَّ رسومات ليوناردو التشريحية اللاحقة أظهرت تأثراً بمايكل آنجلو. كما أنّه يوجد في ويندسر رسم صغير يشبه إلى حد كبير داؤود- وهو "بعد داؤود" كما تقول الديباجة بلغة لا تخلو من دبلوماسية فنية.  هذا هو الرسم الوحيد الناجي الذي يقوم على عمل فني معاصر ويبرزه. على الرغم من الجراح والامتعاض فإنَّ الغلبة قد كانت للأولوية الفنية القديمة: ماذا بوسعي أن أتعلم منه؟
 
 
------------------------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
تأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)

      ليوناردو دافنشي: رحلات العقل   10-مايكل انجلو   سواءً أكان ذلك ما ينويه مجلس الشعب منذ البداية أم لا، فقد تم توثيق القرار بحلول آخر صيف عام 1504:  نوجه بتوأمة جدارية ليوناردو أو جصيته المعلقة على جدار قاعة المجلس مع أخرى بيد مايكل انجلو، تجسّد نصراً فلورنسياً شهيراً آخرَ. معركة كاسينا، على الجدار المقابل. لقد جمعوا بذلك بين اثنين من أعظم الفنانين الفلورنسيين في ذلك العصر، وجعلوهما يعملان كلٌ قبالة الآخر في قاعة المجلس، وأنّه لمن الصعب تصديق أنّهما لم يعتبرا هذا الشيء كنوع من السباق أو في الحقيقة صراعَ العمالقة، الذي يتوج فيه التنافس الطبيعي على التميز، كما يبدو بالخصومة الشخصية، مما يدفع كلا من الرجلين إلى آفاق أبعد من العبقرية الفنية.  عندما غادر ليوناردو فلورنسا في عام 1482، كان مايكل آنجلو دي لودوفيكو بوناروتي صبياً في السابعة من عمره يعيش مع عائلة من البنائين في محجر للرخام بسيتينيانو، يملكه والده الذي كان ينحدر من سلالة نبيلة رغم فقره. وبحلول وقت عودة ليوناردو، بعد ثماني عشرة سنة، أصبح مايكل آنجلو نجماً جديداً في الحركة الكاريزيمية الكنسية، الدم الجديد الذي يُضخ من خلال شرايين النحت في عصر النهضة.  وبصفته تلميذا لدومينيكو غيرلاندايو لثلاث سنوات (1488-1491)، ومحمياً للورينزو دي ميديتشي حتى وفاة الأخير في عام 1492، فقد بنى لنفسه شهرة سريعة من خلال أعماله الفلورنسية الأولى مثل تمثال ملاك الحب الرخامي، ومعركة القنطورات الرائعة بأسلوب النحت الغائر، والتي بدا فيها التأثير الكلاسيكي لحديقة لورينزو للمنحوتات التي اختلطت بالفعل بالعضلات المفتولة والأطراف الملتوية في أعماله المتأخرة.  وكان قد استُدعي في عام 1496 إلى مدينة روما بناء على طلب الكاردينال سان جورجيو: وهنالك أنشأ تمثال باخوس المدمر، والذي كما قال فازاري : " يجمع بين قَدَّ الفتيان الممشوق واستدارة الإناث وامتلائهن". وتجسيده القديس بطرس في تمثال الرحمة. ثم عاد إلى فلورنسا في أواخر عام 1500 أو 1501، وربما كانت هذه هي الفترة التي التقى فيها بليوناردو للمرة الأولى. ويجوز لنا أن نتخيل – فحسب- مايكل آنجلو بين الحشود التي ازدحمت داخل كنيسة البشارة لرؤية لوحة ليوناردو للقديسة آن على الكارتون في ربيع عام 1501- الشاب المذهول الأشعث الرث الذي منحه الله بسطة في الجسم، وحوله هالة هائلة من الثقة بالنفس، ولا غرو فهو ملاكم مشهور وقد سحق تواً أنف بيترو توريجيانو وهو زميل له نحات أثناء مشاجرة بينهما.   مايكل آنجلو بوناروتي وسرعان ما بدأ يعمل في أعظم أعماله الفلورنسية-حتى في أسلوبها، وهو تمثال داؤود التذكاري، والموصوف في الوثائق المعاصرة بأنّه "العملاق المرمري"، أو "العملاق" فحسب. ويعود التواصل مع مجلس الشعب إلى تأريخ 16 أغسطس 1501، في بندٍ ينص على تسليم العمل في عامين وفق إفادة فازاري، وكان الأجر يبلغ 400 فلورينا. ويقال إنّ التمثال الذي يبلغ من الطول ما يزيد على 16 قدماً ويزن حوالي 9 أطنان، استخدمت في صنعه كتلة رخام مهملة كانت تنقَل من مكان إلى آخر في ورشة الكاتدرائية لسنوات عديدة، وبحسب فازاري فإنّ النحات الذي قام بتلميعه يدعى سيموني دا فيزولي، وربما كان المقصود هو سيموني فيرروتشي، وهنالك شهادة أخرى ورد فيها اسم اغسطينو دي دوكيو على أنّه الملمّع. ويقول فازاري أيضاً " إنَّ غونفالونيير سويديريني كثيراً ما كان يتحدث عن تسليم كتلة الرخام إلى ليوناردو"، ولكنه أعطاها إلى مايكل آنجلو بدلاً عنه. وليس هنالك دليل حقيقي على هذا الأمر.  وفي منتصف عام 1503 بدأ شكل المنحوتة العظيمة يظهر: و"تحررت" بحسب تعبير مايكل آنجلو الشهير من "سجن الرخام". وفي ملاحظة أسفل الرسم التمهيدي لذراع داؤود اليسرى يرسم صورة بطولية حية للنحات:[Davide colla fromba e io coll'arco ]" داؤود بمقلاعه وأنا بقوسي"، أي بكلمات أخرى "إزميل الرخام ذو الشكل المنحني.  كان ليوناردو في هذه الأثناء- إن وجد دليل فازاري قبولاً لدينا- يشرع في العمل على رسم صورة لوجه ليزا ديل جيوكوندو: صفقة جيدة بلا شك ولكنها ليست مجزية. يلخص هذان العملان الشهيران الذهنية الثنائية لعصر النهضة: إحداها تنضح بالثقة التي تخطف شدتها الأنفاس، والثانية باردة باطنية وعصية على الإدراك. في الخامس والعشرين من شهر يناير عام 1504 شكّل قسم الأشغال بالكاتدرائية لجنة فوق العادة (وهي إدارية في أغلب الأحوال ولكنها استثنائية نسبة للعدد الكبير من المواهب الفنية في عصر النهضة) وذلك لتحديد المكان الملائم والمثالي لعرض العملاق المرمري الهائل الذي كان في ذلك الوقت قد شارف على الاكتمال.  قدمت الدعوة إلى ثلاثين رجلاً: وقد دون على الهامش أنّ أحدهم، أندريه دا مونتي سانسافينو، كان غائباً لتواجده في جينوا، وعليه فيبدو أنَّ التسعة والعشرين الباقين كانوا حضوراً. بجانب ليوناردو كان هنالك أندريه ديلا روبيا، وبيرو دي كوسيمو، ودايفيد غيرلاندايو(الأخ الأصغر للراحل دومينيكو)، وسيمون ديل بوللايولو (المعروف أيضاً باسم إل كروناكا)، وفيلبينو ليبي، وكوسيمو روشيلاي، وساندرو بوتيشيلي، وغوليانو وأنطونيو دا سانغالو، وبيترو بيروجينو، ولورينزو دي كريدي. كما كان " فانتي المينياتير" حاضراً هو الآخر، والذي كان ليوناردو قد أقرضه المال في 1503، وجيوفاني بيفيرو، وهو على الأرجح الموسيقار جيوفاني دي اندريه سيليني، وإل ريكيو اورافو، كيرلي الصائغ، والذي ربما كان هو ريكيو فيورينتينو ذاته، والذي ذكره المجهول الجاديّ كأحد مساعدي ليوناردو في جدارية الأنغياري. كان رأي ليوناردو حول وضع تمثال داؤود مسجلاً في محاضر الاجتماع. " أقول بأنّه يجب أن يوضع في الرواق"- رواق دي لازي المقابل للقصر القديم- " كما قال جيوليامو، وراء السور القصير حيث يصطف الجنود. ينبغي أن يوضع هناك، وأن يزّين بشكل مناسب، وبتلك الطريقة سوف لن يخل بمراسم الدولة." وقد وافقه في هذا الرأي غوليامو سانغالو، ولكنه مال إلى أن يوضع عكس المنظر العام، وهو ما كشف عن عداوة بادية، ورفض متعمد لإبداء إعجابه. لندع هذا التمثال الهائل الحجم يوضع جانباً في أحد الأركان بعيداً عن الطريق. أما الأمنية الحقيقية التي استعلنت فهي إقصاء النحات نفسه: هذا العبقري الجلف الدخيل. ولقد برزت فروق دقيقة أخرى في الروايات التي تناولت داؤود الفلورنسي الأول الذي حررته أنامل معلمه فيروكيو، والذي يقال إنّ ليوناردو كان هو المثال له: الآن بعد أربعين سنة أتى هذا التمثال ليمسح صورة وعده اليافع ذاك.  لم يؤخذ بنصيحته، وتم وضع التمثال في شهر مايو بمنصة أمام المدخل الرئيس للقصر القديم تماماً حيث ينبغي له، وحيث ظل لعدة قرون، وحيث تنتصب نسخته التي تعود للقرن التاسع عشر الآن. قدمت مذكرات لوكا لاندوتشي وصفاً حياً لعملية نقله (وألقت دون قصد بشيء من الضوء على مشكلة التخريب في فلورنسا عصر النهضة). في الرابع عشر من مايو- " تم أخذ العملاق المرمري خارج قسم الأشغال في الساعة الرابعة والعشرين [8 مساء]، وتعين عليهم تحطيم الحائط فوق الباب حتى يتمكنوا من إخراجه عبره. وقد كانت الأحجار تلقى على التمثال أثناء الليل لإصابته، الشيء الذي استدعى فرض الحراسة عليه. وقد استغرق نقله إلى القصر أربعة أيام [قصر الشعب]، ووصل هناك في اليوم الثامن عشر في الساعة الثانية عشر من الصباح[8 صباحاً]. وشارك في نقله أكثر من أربعين رجلاً. وكانت تحته أربعة عشرة لوح مدهونة بالشحم يتم تبديلها من يد ليد.  وأخيراً تم نصب التمثال في الثامن من يوليو، وقد عوقب تمثال جوديت لدوناتيللو بأن نُفي إلى ركن قصي من الفناء لإفساح المجال للعملاق. وربما شهد ليوناردو هذا الحدث، أو ربما كان غائباً بحجة مقبولة: عودته إلى كنيسة سانتا ماريا نوفيلا، وحيداً على عربته المدولبة، يقوم ببعض التعديلات على الكارتون الخاص بجدارية الانغياري.  وربما كانت هذه الفترة التي احتدمت فيها المنافسة بين هذين الفنانين في مشاجرة في الساحة العامة، والتي سجلها المجهول الجاديّ في مقالة مقتضبة وضاجة بالصور تتميز عن بقية الصفحات الأكثر هدوءاً عن سيرة ليوناردو. وهي تُستهل بالمقطع: " Dal Gav"، والذي يشير إلى أنّ ذلك المصدر لم يكن سوى "بي غافين" نفسه، الذي تورده القصة على أنّه رفيق ليوناردو. إنّها ليست سوى شهادة عيان بالأحرى. كان ليوناردو يسير مع بي دا غافين عبر [ساحة] الثالوث المقدس، واجتازا مقعد سبيني حيث اجتمع بعض المواطنين الذين يتجادلون حول فقرة لدانتي، ونادوا المدعو ليوناردو طالبين منه تفسير القطعة. في تلك اللحظة، صدفةً، كان مايكل آنجلو يمر بالطريق، وأجاب ليوناردو طلبهم قائلاً " إنّ ما يكل آنجلو موجود، وسوف يفسرها لكم" عندها قال مايكل آنجلو الذي اعتقد أنّه أراد أن يسيء إليه بقوله ذاك: " قم أنت بشرحها- أنت الذي صممت حصاناً ليُصب من البرونز، ولم تستطع صبه، وتخليت عنه بسبب الفضيحة." ثم أدار لهم ظهره ومضى. وتُرك ليوناردو وقد أحمرّ وجهه بسبب تلك الجملة.   ونسرد هنا القصة بالمزيد من الدقة: إنّهم في ساحة الثالوث المقدس، مجموعة من الأشخاص يناقشون دانتي ويجتمعون في رواق قديم بالقرب من قصر لعائلة آل سبيني من القرون الوسطى (قصر فيروني-سبيني الآن). يقع هذا المبنى في الجانب الجنوبي من الميدان ويمتد حتى ضفة النهر عند جسر الثالوث المقدس. لم يعد هنالك رواق، ولكن يمكن تحديد موقع هذه المناقشة بالبحث عن جداريات دومينيكو غيرلاندايو المرسومة في أواسط ثمانينات القرن الخامس عشر بالقرب من كنيسة الثالوث المقدس في وسط الخلفية، وقصر سبيني إلى اليسار. ليس هنالك ثمة شيء يشبه الرواق على الجدارين الباديين في الصورة (السور الشمالي والسور الغربي)، ومن ثم من البديهي أنّه كان في الجانب الجنوبي، أي أنّها تشرف على النهر.  إذن فيجوز لنا أن نحدد مكان هذه المحاورة الحاسمة بين ليوناردو ومايكل آنجلو على الطريق الممتد بمحازاة نهر آرنو، والمائل قليلاً إلى الجهة الشرقية من الجسر، أي أمام المبنى الذي يشغله الآن متجر أزياء سالفاتوري فيراغامو.  ولقد تم تناول الحادثة بشيء من الدقة أيضاً: ليوناردو المتقاعد، الذي يصد بكل سرور الدعوة للإفتاء في ما يخص قطعة دانتي، ومايكل آنجلو بحساسيته وحدته وردة فعله النزقة الغاضبة تجاه ما يفترض أنّه أمر بسيط (حيث لا شيء يمكن أن يكون مقصوداً، كما ورد في القصة، مالم يكن هنالك نبرة من التهكم فيه، كما لو كان يقول: " هاهو مايكل آنجلو، العالم بكل الأمور.". مغادرة الأخير المفاجأة- "volto I rene',  وترجمتها حرفياً " أدار عقبيه"- تاركاً ليوناردو وقد بُهت حرجاً، ونقمةً: "per le dette parole divento rosso'- لقد احمرّ وجهه. كان ليوناردو مهذباً بطبعه، ومايكل آنجلو جارحاً بالسليقة. في الصفحة التالية من مخطوطة المجهول الجادي، وبعد التقليل من مهارة مايكل آنجلو وقدراته في التشريح، نجد مثالاً آخر لنبرة مايكل آنجلو التهكمية حيال ليوناردو: " في واقعة أخرى، أراد مايكل أنجلو إيذاء [Modere  ومعناها الحرفي: أن يعُض] ليوناردو، فقال له: " إذن فهؤلاء الميلانيون الأغبياء قد آمنوا بك؟" "Que caponi de melanesi'  تترجم: أولئك الميلانيون العظام الرؤوس"، ولكن مفردة caponi تحمل في طياتها من معاني الغباء والعناد أكثر عنها من المباهاة. فإن كانت هذه القصة أصلية هي الأخرى فإنها تشير إلى عداء صريح. وليس في النص ما يدل على تأريخ حادثة الساحة. فربما حدثت في الفترة ما بين مطلع عام 1501 (عندما عاد مايكل آنجلو من روما) وصيف عام 1502( عندما غادر ليوناردو فلورنسا للالتحاق ببورجيا)، أو بين مارس من عام 1503 (عودة ليوناردو إلى فلورنسا) ومطلع عام 1505 (مغادرة مايكل آنجلو إلى روما). وتشير الإهانة في المرتين إلى إخفاق ليوناردو في مشروع حصان سفورزا، والذي ربما يقترح تأريخاً أسبق، ولكنهما لا تخرجان بالقدر ذاته عن سياق لجنة تمثال داؤود – تصرف ليوناردو المتكبر حيال التمثال مستحضراً القدح في إخفاقاته الخاصة في مجال المنحوتات العملاقة. وهذا من شأنه وضع المواجهة المشحونة في بدايات عام 1504 في فصل الربيع منها، ربما، عندما كان الطقس دافئاً بما يكفي للرجال للتسكع في الرواق يناقشون دانتي. ونجد أنّ نص القصة مسبوقٌ ببعض التعليقات حول لوحة جدارية الانغياري، وأيضاً بحسب شهادة "غاف" أو غافين.     نسخة من كارتون مايكل آنجلو لمعركة كاسينا، تنسب إلى ارسطو دا سانغالو وربما من هذه الخصومة الشديدة انبثقت فكرة مجلس الشعب بجعل مايكل آنجلو يرسم لوحة أخرى لمشهد المعركة في قاعة المجلس لمناظرة- أو منافسة- لوحة ليوناردو. وكما أعرب عن هذا مايكل آنجلو بنفسه فيما بعد، لقد "تعهد بتنفيذ نصف قاعة المجلس".  وكان موضوعه هو معركة كاسينا، التي كانت جزءاً من حرب سابقة ضد بيزا. والإشارة الأولى لاشتراك مايكل آنجلو متضمنة في مستند يعود إلى اليوم الثاني عشر من سبتمبر عام 1504، والذي مُنح فيه مثله مثل ليوناردو في السنة السابقة-صلاحية استخدام مساحة المرسم الكبيرة، الصالة الكبرى في مستشفى سانت اونوفريو. وقد تمت المصادقة على ذلك في 29 اكتوبر. ويقول فازاري هنا:  لقد بدأ العمل على قطعة كبيرة من الكارتون والتي لم يسمح لأي شخص برؤيتها. لقد ملأها بصور الرجال العراة الذين يغتسلون في نهر آرنو بسبب الحرارة، عندما صدر الإنذار فجأة في المعسكر بسبب هجوم للعدو. وبينما كان الجنود يخرجون مسرعين من الماء ليرتدوا ملابسهم، قامت أنامل مايكل آنجلو الموهوبة بتصويرهم. في عدة مواقف غير مألوفة، بعضهم واقف، وبعضهم جاثٍ، وآخرون راكعون، أو بين حالين، والجميع يجسد أصعب تقصير للمنظور.  وتلقى مايكل آنجلو في شهر فبراير التالي مبلغ 280 ليرة من قصر الشعب " مقابل جهوده في تلوين الكارتون". كان هذا المبلغ يعادل حوالي 40 فلوريناً: لا نعرف على وجه التحديد المدة التي استحق عليها هذا المبلغ، ولكن يبدو أنّه يضاهي معاش ليوناردو الذي يبلغ 15 فلوريناً في الشهر. ومن المرجح أنّ كارتون مايكل آنجلو قد اكتمل بحلول ذالك الوقت. " عندما شاهدوا الكارتون اعترى جميع الفنانين الإعجاب والدهشة." وبعد هذا بوقت قصير غادر مايكل آنجلو إلى روما لمناقشة مشروع ضريح يوليوس الثاني المنكوب. ويبدو أنّه لم يسهم بأي شيء آخر في مشروع قاعة المجلس: فليس هنالك من دليل على أنّه شرع في التلوين حتى. أما اللوح فقد ضاع هو الآخر، ولكن نجت منه نسخة جيدة في قاعة هولكام، نورفولك، مقعد إيرل ليشستر السابق والذي كانت فيه حتى ثمانينات القرن العشرين مذكرات ليوناردو المسماة مخطوطة ليشستر. ولم يتم توثيق الطريقة التي كان ينظر بها ليوناردو إلى هذا التحدي أو التعدي، ولكن يبدو أنّه غادر فلورنسا في سبتمبر أو مطلع اكتوبر عام 1504، بيد أنّه لم تكن هنالك أية أسباب أخرى لرحيله هذا، الذي يتزامن بالضبط مع تكليف مايكل آنجلو بتزيين "نصف قاعة المجلس"، وربما انطوى في جزء منه على انسحاب من المشهد بدافع الغيظ: إضراب. وكان في هذه المرحلة قد أكمل العمل على الكارتون الخاص به، بنهاية يوليو على الأرجح، وهو تأريخ آخر مدفوعاته المسجلة. ولم يبدأ التلوين في القصر القديم حتى الأسابيع الأولى من عام 1505. لم تكن المواجهة من طبعه: لقد تجنبها أو تملص منها. وهكذا بدأ الصراع الهائل بين عمالقة عصر النهضة: يقف مايكل آنجلو على الباب مستعداً للقتال ولكن ما من أحد في المكان.   داؤود ليوناردو 1504. رسم بعد داؤود مايكل آنجلو لكنه ليس له. في حوالي هذا الوقت يكتب ليوناردو مقالة قصيرة ينتقد فيها الصور التي تبالغ في إظهار عضلات جذع الإنسان: لا يجب عليك إبراز جميع عضلات الجسم بجلاء مالم تكن الأعضاء التي تحمله تعمل في شيء يتطلب القوة أو بذل مجهود عظيم... فإن لم تفعل فسوف يكون ما ترسمه أقرب إلى كيس من الجوز وليس جسداً بشرياً." ربما كانت الملاحظة ليست سوى وكزة في الأجساد المفتولة في كارتون كاسينا الذي رسمه مايكل آنجلو. وكرر الفكرة ذاتها في كتاب آخر: يجب ألا يرسم الجسد بحيث يبدو مثل "حزمة من الفجل" أو "كيسٍ من الجوز"  وكان يستمتع بهذه العبارة. "Un saco di noce…." ويتصوره المرء وهو يرددها بوجه خال من أي تعبير، فيضحك الناس: كان هذا هو سلاحه. وهو أفضل من تلك الإساءات الجارحة التي ألقاها مايكل آنجلو في وجهه ذلك اليوم عند جسر الثالوث المقدس. إنّه لمن المؤكد لجميع ذلك- أنَّ رسومات ليوناردو التشريحية اللاحقة أظهرت تأثراً بمايكل آنجلو. كما أنّه يوجد في ويندسر رسم صغير يشبه إلى حد كبير داؤود- وهو "بعد داؤود" كما تقول الديباجة بلغة لا تخلو من دبلوماسية فنية.  هذا هو الرسم الوحيد الناجي الذي يقوم على عمل فني معاصر ويبرزه. على الرغم من الجراح والامتعاض فإنَّ الغلبة قد كانت للأولوية الفنية القديمة: ماذا بوسعي أن أتعلم منه؟       ------------------------------------------------  ليوناردو دافنشي: رحلات العقل تأليف: تشارلز نيكول ترجمة: أميمة حسن قاسم محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات. بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة صفحتنا الرسمية في فيس بوك : https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/ منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا  https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar (جميع الحقوق محفوظة) , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 10 - البحر الكبير
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 9 - مطاردة الليل
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 5 - المرض،الخيانة، المرايا
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 6 - آخر الرحلات إلى فلورنسا
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 3 - المعمدان وباخوس
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 4 - الطــــــوفان
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - الجزء الثامن - الأعوام الأخيرة 1513 - 1519