Arabic    

عازف حَيّ الفقراء الأعمى - من رحلة عين وجناح


2019-09-03
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : ارتياد الآفاق
التصنيف : إرتياد الآفاق (كتب)

 
 
عازف حَيّ الفقراء الأعمى
من رحلة عين وجناح للكاتب محمد الحارثي 
 
عازف حَيّ الفقراء الأعمى 
أصرّ "نغُويين" صاحب "الركشة"، ودليلي في سايغون أن يَعْزمني على غداء في بيته وحَيّه الفقير. قدمني لزوجته وأطفاله وأبناء عمه والجد والجدة. "زيارة تاريخية" ينتظرها زقاق الحي بأكمله. لأنه كما يبدو لي أخبرهم عن "المليونير" الذي يعطيه دولاراً ونصف يومياً، بدلا من دولار ينتظره أسبوعاً كاملاً من سائح أميركي أو ياباني لا يسعفه الحظ في الحصول عليه بسبب المنافسة الشديدة من رفاق المهنة. 
لقد ظل نغويين وفياً لي طوال إقامتي في سايغون، وظللتُ وفياً له. ينتظرني أمام الفندق حتى في الصباحات التي أتأخر نومَها. وكانت مكافأته لي بزيارة حيّه الفقير. وعلى عادتي في كثير من الأسفار أحب المغامرة بدخول أحياء لا يجرؤ السائح العادي على دخولها، منطلقاً وراء نجمة مجهولي. توقفت في الطريق لدى بائع حلوى فاشتريت منها الكثير، وعندما وصلت تهافت أطفال الحي على الحلوى. لم يكن عرسي بين الأطفال فحسب، بل عرس نغويين العاطل عن العمل، والذي تنظر إليه زوجته نظرة ازدراء لأنه لا يعود في المساء بدولار اليوم (عشرة آلاف دونغ بالعملة المحلية، وهي كثيرةٌ هناك). رحبوا بي جميعاً، فأنا لستُ ضيف عائلة نغويين، وإنما، كما اكتشفتُ لاحقاً، ضيف الحي كله. استسلمتُ، على غير عادتي، للاحتفال. جيء بالطعام من كل بيت، وعزف أعمى الحي على آلته، وغنت شلة من البنات والصبيان أغاني الحصاد. بل أن "أثرياء" الحيّ جاؤوا لتحيتي محملين بزجاجات "الرَّم" الفيتنامي والبيرة المحلية. 
كان نغويين يرقص فرحاً، ويركض من مكان إلى مكان. لقد شعر بأنه حقق شيئاً كبيراً بزيارتي تلك للحي. وشعرتُ، بدوري، أنني بذلك الحضور الرمزي حققتُ له ما يصبو إليه من انتظاراته الطويلة في بولفارات سايغون. وكان ذلك أقصى ما يريد وأقصى ما أريد. 
في المساء ودعتُ الحي وعبرت الجسر الخشبي المتهالك إلى وسط المدينة، مليئاً بألوان ذلك اليوم، ذائباً في الفرح الذي يشع من وجه نغويين وسرعة قدميه على بدّالات الركشة. أنا "الغني" الذي لم تكن أمواله سوى مواعيد ومُتنبي وهُو تشي منه. 
 
 
وصلتُ الفندق، ولم أستطع التفكير في شيء آخر سوى الاحتفال الرمزي في حي نغويين الفقير. في المساء ذكرتُ بعضاً من تفاصيل يومي لأميركي شاب يزور فيتنام لأول مرة سُرقت محفظته في شارع سايغون الرئيس. استغرب جرأتي لحضور غداء في حي صفيح صحبة سائق ركشة. كما استغربتُ، بدوري سرقة محفظته في بولفار وسط المدينة، وفي وضح النهار. تبادلنا الأنخاب وودع أحدنا الآخر في مطعم يقدم شرائح لحم الغزال. فقد كان علي النوم مبكراً للرحيل إلى الشمال في الصبيحة التالية.
===============
نص من رحلة عين وجناح لمحمد الحارثي الفائزة بجائزة ابن بطوطة 2003
 
 
تأتيكم ضمن #مختارات_من_أدب_الرحلة
ينتقيها ويعتني بها راعي ومؤسس جائزة #ابن_بطوطة لأدب الرحلة الشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي
 

 

    عازف حَيّ الفقراء الأعمى من رحلة عين وجناح للكاتب محمد الحارثي    عازف حَيّ الفقراء الأعمى  أصرّ "نغُويين" صاحب "الركشة"، ودليلي في سايغون أن يَعْزمني على غداء في بيته وحَيّه الفقير. قدمني لزوجته وأطفاله وأبناء عمه والجد والجدة. "زيارة تاريخية" ينتظرها زقاق الحي بأكمله. لأنه كما يبدو لي أخبرهم عن "المليونير" الذي يعطيه دولاراً ونصف يومياً، بدلا من دولار ينتظره أسبوعاً كاملاً من سائح أميركي أو ياباني لا يسعفه الحظ في الحصول عليه بسبب المنافسة الشديدة من رفاق المهنة.  لقد ظل نغويين وفياً لي طوال إقامتي في سايغون، وظللتُ وفياً له. ينتظرني أمام الفندق حتى في الصباحات التي أتأخر نومَها. وكانت مكافأته لي بزيارة حيّه الفقير. وعلى عادتي في كثير من الأسفار أحب المغامرة بدخول أحياء لا يجرؤ السائح العادي على دخولها، منطلقاً وراء نجمة مجهولي. توقفت في الطريق لدى بائع حلوى فاشتريت منها الكثير، وعندما وصلت تهافت أطفال الحي على الحلوى. لم يكن عرسي بين الأطفال فحسب، بل عرس نغويين العاطل عن العمل، والذي تنظر إليه زوجته نظرة ازدراء لأنه لا يعود في المساء بدولار اليوم (عشرة آلاف دونغ بالعملة المحلية، وهي كثيرةٌ هناك). رحبوا بي جميعاً، فأنا لستُ ضيف عائلة نغويين، وإنما، كما اكتشفتُ لاحقاً، ضيف الحي كله. استسلمتُ، على غير عادتي، للاحتفال. جيء بالطعام من كل بيت، وعزف أعمى الحي على آلته، وغنت شلة من البنات والصبيان أغاني الحصاد. بل أن "أثرياء" الحيّ جاؤوا لتحيتي محملين بزجاجات "الرَّم" الفيتنامي والبيرة المحلية.  كان نغويين يرقص فرحاً، ويركض من مكان إلى مكان. لقد شعر بأنه حقق شيئاً كبيراً بزيارتي تلك للحي. وشعرتُ، بدوري، أنني بذلك الحضور الرمزي حققتُ له ما يصبو إليه من انتظاراته الطويلة في بولفارات سايغون. وكان ذلك أقصى ما يريد وأقصى ما أريد.  في المساء ودعتُ الحي وعبرت الجسر الخشبي المتهالك إلى وسط المدينة، مليئاً بألوان ذلك اليوم، ذائباً في الفرح الذي يشع من وجه نغويين وسرعة قدميه على بدّالات الركشة. أنا "الغني" الذي لم تكن أمواله سوى مواعيد ومُتنبي وهُو تشي منه.      وصلتُ الفندق، ولم أستطع التفكير في شيء آخر سوى الاحتفال الرمزي في حي نغويين الفقير. في المساء ذكرتُ بعضاً من تفاصيل يومي لأميركي شاب يزور فيتنام لأول مرة سُرقت محفظته في شارع سايغون الرئيس. استغرب جرأتي لحضور غداء في حي صفيح صحبة سائق ركشة. كما استغربتُ، بدوري سرقة محفظته في بولفار وسط المدينة، وفي وضح النهار. تبادلنا الأنخاب وودع أحدنا الآخر في مطعم يقدم شرائح لحم الغزال. فقد كان علي النوم مبكراً للرحيل إلى الشمال في الصبيحة التالية. =============== نص من رحلة عين وجناح لمحمد الحارثي الفائزة بجائزة ابن بطوطة 2003     تأتيكم ضمن #مختارات_من_أدب_الرحلة ينتقيها ويعتني بها راعي ومؤسس جائزة #ابن_بطوطة لأدب الرحلة الشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي     , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

غوته - رحلة إيطالية - يوميات شاعر القرنين بين الأدب والفنون
الخروج من ليوا - في الطريق إلى "العين" (2-2)
الخروج من ليوا - في الطريق إلى "العين" (2-1)
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-2)
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-1)
من دمشق إلى حيفا - الحرب تترك المخفر الأممي في سلام
كتاب من دمشق إلى حيفا - مخفر كودنه على الجبل