Arabic    

داود حارس فلورنسا - من كتاب قصة الحضارة لويل ديورانت


2020-01-21
اعرض في فيس بوك
التصنيف : قصة الحضارة

 
 
داود حارس فلورنسا
من كتاب قصة الحضارة لويل ديورانت
#محمد_أحمد_السويدي_مختارات_قصة_الحضارة
وأكبر الظن أن اضطراب أحوال أسرته المالية هو الذي دعاه إلى فلورنس، فعاد إليها في عام 1501 حيث عهد إليه في شهر أغسطس من ذلك العام نفسه بعمل فذ. ذلك أن مجلس الأعمال (الأبراري Operai) في كتدرائية المدينة كان يمتلك كتلة كبيرة من رخام كراراً ارتفاعها ثلاث عشرة قدماً ونصف قدم، ولكنها ظلت مطروحة على الأرض لا ينتفع بها مائة عام كاملة لعدم انتظام شكلها. وسأل المجلس ميكل أنجيلو هل يستطاع نحت تمثال منها، فوافق على أن يحاول ذلك، ووقع معه مجلس الكنيسة ونقابة الصوف عقد القيام بالعمل وقد جاء فيه:
إن الأستاذ الجليل ميكل أنجيلو ... قد اختير لكي يصور، ولينجز ويتم إلى حد الكمال تمثالاً لرجل وهو التمثال المسمى الضخم Il gigante والذي يبلغ ارتفاعه تسع أذرع... على أن يتم العمل في خلال عامين يبدءان من شهر سبتمبر، وأن يتقاضى مرتباً قدره ستة فلورينات في الشهر، وأن يمده المجلس بما يحتاجه لإنجاز هذا العمل من العمال، والخشب وما إلى ذلك؛ وحين يتم صنع التمثال يقدر مستشارو النقابة ومجلس العمال... هل يستحق مكافأة أكثر، على أن يترك هذا لذمتهم.
وظل المثال يكدح في هذه المادة القاسية عامين ونصف عام، حتى انتزع منها بجده وبطولته تمثال داود، وانتفع بكل إصبع من ارتفاعها، ثم دعا مجلس العمل في 25 يناير سنة 1504 مجلساً من كبار رجال الفن في فلورنسا ليقرروا أين يوضع التمثال الضخم كما كانوا يسمون تمثال داود . وكان المجتمعون هم كوزيمو روزيلي Cosimo Roselli، وساندرو بتيتشلي، وليوناردو دافنشي، وجليانو وأنطونيو داسينجلو، وفلبينو لبي، ودافيد غرلندايو، وبروجينو، وجيوفني بفيرو Giovanni Piffero (والدتشليني)، وبيودي كوزيمو. ولم يتفق هؤلاء على المكان، فتركوا ذلك آخر الأمر لميكل أنجيلو، فطلب أن يقام التمثال على رصيف قصر فيتشيو ؛ ووافق مجلس السيادة على هذا الطلب؛ ولكن عملية نقل التمثال الضخم من المصنع القريب من الكنيسة إلى القصر تطلبت أن يعمل في ذلك أربعين رجلاً أربعة أيام؛ وكان لابد من تعلية أحد المداخل بهدم جدار فوقه كي يمر فيه التمثال، وتطلب رفعه في مكانه واحداً وعشرين يوماً أخرى. وظل قائماً في فراغ مدخل القصر المكشوف معرضاً للجو، وعبث الأطفال وللثورة عليه؛ ونقول للثورة لأنه كان بمعنى ما إعلاناً صريحاً للتقدمية المتطرفة، ورمزاً للجمهورية الفخورة التي عادت إلى الوجود ، وتهديداً صارماً للمغتصبين. ولمّا عاد آل ميديتشي إلى السلطة في عام 1513 لم يمسوه بسوء؛ ولكن لما قامت الثورة التي انتزعت السلطة منهم مرة أخرى (1527) سقط عليه مقعد ألقى من إحدى نوافذ القصر فحطم ذراع التمثال اليمني. وجمع فرانتشيسكو سيلفياتي Francesco Salviati وجيورجيو فاساري، وكانا وقتئذ غلامين في السادسة عشرة من العمر، القطع المحطمة واحتفظا بها، وضم عضو آخر من أسرة ميديتشي جاء فيما بعد، وهو الدوق كوزيمو، هذه الأجزاء وثبتها في مكانها. وفي عام 1873 نقل داود بعد جهد جهيد، إلى مجمع الفنون الجميلة Accaademea della Bell Arti بعد أن أثر فيه الجو فشوه معالمه، ولا يزال فيها يحتل مكان الشرف، وهو أحب التماثيل إلى الشعب في فلورنسا.
لقد كان هذا العمل من أعمال البطولة،وهو بهذا الوصف لا يمكن أن نوفيه حقه من الثناء، تغلب فيه الفنان بحذق كبير على الصعاب الآلية وإذا ما حكم عليه الإنسان من ناحية الحماسة استطاع أن يجد فيه بعض العيوب! فاليد اليمنى أكبر مما ينبغي أن تكون، والعنق مفرط في الطول، والساق اليسرى أطول في جزئها الذي تحت الركبة مما يليق، والإلية اليسرى ليست متضخمة بالقدر الذي يجب أن تتضخم به أية إلية سليمة. وكان بيرو سودريني رئيس الجمهورية يرى أن الأنف مفرط في الضخامة، ويروي فاساري قصة - لعلها مختلقة - تقول إن سودريني عاب شكل الأنف فصعد ميكل أنجيلو سلماً وهو يمسك في يده قبضة من التراب، وتظاهر بأنه سيعدّل أنف التمثال، ولكنه تركه سليماً كما كان، ثم القى تراب الرخام من يده على وجه رئيس الجمهورية، وأن الرئيس أعلن بعدئذ أن التمثال قد صلح.
والأثر العام الذي يحدثه التمثال فيمن ينظر إليه يقطع لسان كل ناقد! فالهيكل الرائع، الذي لم يضخمه ميكل أنجيلو كما ضخم التماثيل التي نحتها لأبطاله المتأخرين، وبنية الجسم المصقول، والمعارف القوية الرقيقة رغم هذه القوة، والخياشيم المتوترة من الاهتياج، والتجهم المنبعث من الغضب، ومظهر العزيمة المشوبة بشيء من الحياء حين يواجه الشاب جالوت الرهيب ويستعد لملء مقلاعه والقذف به - كل هذه أشياء تجعل داود أشهر تمثال في العالم كله إذا استثنينا من ذلك تمثالاً واحداً لا غير . ويرى فاساري أنه "يفوق كل ما عداه من التماثيل قديمها وحديثها لاتينية كانت أو يونانية".
 

    داود حارس فلورنسا من كتاب قصة الحضارة لويل ديورانت #محمد_أحمد_السويدي_مختارات_قصة_الحضارة وأكبر الظن أن اضطراب أحوال أسرته المالية هو الذي دعاه إلى فلورنس، فعاد إليها في عام 1501 حيث عهد إليه في شهر أغسطس من ذلك العام نفسه بعمل فذ. ذلك أن مجلس الأعمال (الأبراري Operai) في كتدرائية المدينة كان يمتلك كتلة كبيرة من رخام كراراً ارتفاعها ثلاث عشرة قدماً ونصف قدم، ولكنها ظلت مطروحة على الأرض لا ينتفع بها مائة عام كاملة لعدم انتظام شكلها. وسأل المجلس ميكل أنجيلو هل يستطاع نحت تمثال منها، فوافق على أن يحاول ذلك، ووقع معه مجلس الكنيسة ونقابة الصوف عقد القيام بالعمل وقد جاء فيه: إن الأستاذ الجليل ميكل أنجيلو ... قد اختير لكي يصور، ولينجز ويتم إلى حد الكمال تمثالاً لرجل وهو التمثال المسمى الضخم Il gigante والذي يبلغ ارتفاعه تسع أذرع... على أن يتم العمل في خلال عامين يبدءان من شهر سبتمبر، وأن يتقاضى مرتباً قدره ستة فلورينات في الشهر، وأن يمده المجلس بما يحتاجه لإنجاز هذا العمل من العمال، والخشب وما إلى ذلك؛ وحين يتم صنع التمثال يقدر مستشارو النقابة ومجلس العمال... هل يستحق مكافأة أكثر، على أن يترك هذا لذمتهم. وظل المثال يكدح في هذه المادة القاسية عامين ونصف عام، حتى انتزع منها بجده وبطولته تمثال داود، وانتفع بكل إصبع من ارتفاعها، ثم دعا مجلس العمل في 25 يناير سنة 1504 مجلساً من كبار رجال الفن في فلورنسا ليقرروا أين يوضع التمثال الضخم كما كانوا يسمون تمثال داود . وكان المجتمعون هم كوزيمو روزيلي Cosimo Roselli، وساندرو بتيتشلي، وليوناردو دافنشي، وجليانو وأنطونيو داسينجلو، وفلبينو لبي، ودافيد غرلندايو، وبروجينو، وجيوفني بفيرو Giovanni Piffero (والدتشليني)، وبيودي كوزيمو. ولم يتفق هؤلاء على المكان، فتركوا ذلك آخر الأمر لميكل أنجيلو، فطلب أن يقام التمثال على رصيف قصر فيتشيو ؛ ووافق مجلس السيادة على هذا الطلب؛ ولكن عملية نقل التمثال الضخم من المصنع القريب من الكنيسة إلى القصر تطلبت أن يعمل في ذلك أربعين رجلاً أربعة أيام؛ وكان لابد من تعلية أحد المداخل بهدم جدار فوقه كي يمر فيه التمثال، وتطلب رفعه في مكانه واحداً وعشرين يوماً أخرى. وظل قائماً في فراغ مدخل القصر المكشوف معرضاً للجو، وعبث الأطفال وللثورة عليه؛ ونقول للثورة لأنه كان بمعنى ما إعلاناً صريحاً للتقدمية المتطرفة، ورمزاً للجمهورية الفخورة التي عادت إلى الوجود ، وتهديداً صارماً للمغتصبين. ولمّا عاد آل ميديتشي إلى السلطة في عام 1513 لم يمسوه بسوء؛ ولكن لما قامت الثورة التي انتزعت السلطة منهم مرة أخرى (1527) سقط عليه مقعد ألقى من إحدى نوافذ القصر فحطم ذراع التمثال اليمني. وجمع فرانتشيسكو سيلفياتي Francesco Salviati وجيورجيو فاساري، وكانا وقتئذ غلامين في السادسة عشرة من العمر، القطع المحطمة واحتفظا بها، وضم عضو آخر من أسرة ميديتشي جاء فيما بعد، وهو الدوق كوزيمو، هذه الأجزاء وثبتها في مكانها. وفي عام 1873 نقل داود بعد جهد جهيد، إلى مجمع الفنون الجميلة Accaademea della Bell Arti بعد أن أثر فيه الجو فشوه معالمه، ولا يزال فيها يحتل مكان الشرف، وهو أحب التماثيل إلى الشعب في فلورنسا. لقد كان هذا العمل من أعمال البطولة،وهو بهذا الوصف لا يمكن أن نوفيه حقه من الثناء، تغلب فيه الفنان بحذق كبير على الصعاب الآلية وإذا ما حكم عليه الإنسان من ناحية الحماسة استطاع أن يجد فيه بعض العيوب! فاليد اليمنى أكبر مما ينبغي أن تكون، والعنق مفرط في الطول، والساق اليسرى أطول في جزئها الذي تحت الركبة مما يليق، والإلية اليسرى ليست متضخمة بالقدر الذي يجب أن تتضخم به أية إلية سليمة. وكان بيرو سودريني رئيس الجمهورية يرى أن الأنف مفرط في الضخامة، ويروي فاساري قصة - لعلها مختلقة - تقول إن سودريني عاب شكل الأنف فصعد ميكل أنجيلو سلماً وهو يمسك في يده قبضة من التراب، وتظاهر بأنه سيعدّل أنف التمثال، ولكنه تركه سليماً كما كان، ثم القى تراب الرخام من يده على وجه رئيس الجمهورية، وأن الرئيس أعلن بعدئذ أن التمثال قد صلح. والأثر العام الذي يحدثه التمثال فيمن ينظر إليه يقطع لسان كل ناقد! فالهيكل الرائع، الذي لم يضخمه ميكل أنجيلو كما ضخم التماثيل التي نحتها لأبطاله المتأخرين، وبنية الجسم المصقول، والمعارف القوية الرقيقة رغم هذه القوة، والخياشيم المتوترة من الاهتياج، والتجهم المنبعث من الغضب، ومظهر العزيمة المشوبة بشيء من الحياء حين يواجه الشاب جالوت الرهيب ويستعد لملء مقلاعه والقذف به - كل هذه أشياء تجعل داود أشهر تمثال في العالم كله إذا استثنينا من ذلك تمثالاً واحداً لا غير . ويرى فاساري أنه "يفوق كل ما عداه من التماثيل قديمها وحديثها لاتينية كانت أو يونانية".   , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

الإنسانيون (3-1) - من كتاب قصّة الحضارة
نابليون وكانوفا
داود حارس فلورنسا - من كتاب قصة الحضارة لويل ديورانت
حوض من الورد في أحضان تسكانيا
فينوس اشهر تماثيل كانوفا
بييتا أعظم انجازات ميكل أنجيلو
نظرة وداع على جثمان الشاعر