Arabic    

العالم أسرة واحدة


2020-04-09
اعرض في فيس بوك
التصنيف : Articles of H.E

 
 
العالم أسرة واحدة
محمد أحمد السويدي
 
في واحدة من قصائده المترعة بالحياة، يقول الشاعر التشيكي الحاصل على جائزة نوبل، ياروسلاف سيفرت، في ديوانه "قرع الأجراس"، متحدثًا عن الجنود في أوقات الحرب: "الشعراء الحقيقيون هم الذين على جبهة القتال"، ففي أوقات المحن والشدائد، يتراجع الشعراء ليتقدم المحاربون الصفوف.
 
والشعراء الذين يستحقون الحفاوة في اللحظة التي يعيشها العالم الآن، هم هؤلاء الذين يتصدون لنزال فيروس كورونا المستجد، القاتل، في خطوط المواجهة المتقدمة، بشجاعة قلّ نظيرُها.
شعراء اللحظة الراهنة هم الأطباء والممرضون، كل النساء والرجال العاملون في قطاع الصحة، وعمال البلديات الذين يتصدون لأعمال التعقيم والتطهير، والباحثون والخبراء في معاملهم ومختبراتهم، ورجال الأمن الساهرون على ضبط إيقاع الحياة وقت الأزمة... هؤلاء هم من ينسجون الآن من لحم الحياة ودمها نصًّا شعريًا شديدَ العمق في ارتباطه بلحظة الإنسانية الراهنة.
وترتفع قيمتهم أكثر لأن نزالهم مع عدو متخفّ، لم يكشف كنهه بعد، يرى من لا يرونه ويختار من يهاجم، كالموت السارق حين يصفه شاعر العربية الأول أبو الطيب المتنبي "يصولُ بلا كَفٍّ ويَسعى بلا رِجْل".
هذا السارق الذي يتربّص بنا الآن "كورونا المستجد"، وإن كنا نعرف شفرته الجينية، فلا زلنا لا نستطيع رؤيته. ولكن لا يخامرني الشك في أننا منتصرون.. وفي أن الإنسانية سوف تنتصر بفضل هؤلاء الشعراء الشجعان والنبلاء الذين يتقدمون خطوط القتال، وبقوة تلاحم بقية أفراد أسرة الإنسانية.
في هذه اللحظة الفارقة من عمر البشرية تتجسد أمام عيني مقولة شكسبير في رائعته (ترويلوس وكريسيدا): "إن لمسة واحدة للطبيعة تجعل العالم كله أسرة واحدة".
وإني لأرى هذه الأسرة تتلاحم، وأراها تعبر إلى الشاطئ الجديد، كما عبرت من قبل تحت وطأة ظروف أشد صعوبة، كان العلم فيها وليدًا يتعثّر في خطواته الأولى.
قد تحضر في أذهاننا اليوم ذكريات عن أوبئة معاصرة مثل الإيبولا والسارس (وهو من عائلة كورونا المستجد)، والدينجو، أو فيروس زيكا، إلى آخر هذه القائمة من الفيروسات التي أسقطت الآلاف من الضحايا، سمعنا عنها في الإعلام ولم نكن بعيدين عن مخالبها، لولا أن تداركتها المجتمعات والحكومات بإجراءات التحصين والوقاية، إلى أن أدركها العلم بلقاحات ناجعة.
الأجيال الأقدم قليلًا، تعرف جيدا أمراضًا معدية منها: شلل الأطفال (الشكل الأكثر ندرة وشدة في العدوى، في القرن العشرين، وبلغت ذروتها في عام 1952)، واثنان من بين أقدم الفيروسات التي أصابت الإنسان بعد تطورها من خلال الحيوانات: (الحصبة، والجدري الذي راح ضحيّته 56 مليون شخص عند ظهوره في عام 1520)، والملاريا، والتيفود، والدفتريا والكوليرا (التي أودت بحياة مليون شخص حول العالم بين عامي 1817 و1923)، والتيتانوس والسل، والزهري، والجذام.
القائمة ممتدة وطويلة، تشمل أمراضًا أخرى منها داء الكلب، والإسهال المعدي، أو حمى الضنك، والحمى الصفراء والهانتا، والجمرة الخبيثة، والتهاب السحايا، وغيرها.
كل واحد من هذه الأمراض المعدية، حصد في طريقه الآلاف وربما الملايين من الأروح.
لقد حصد فيروس الأنفلونزا وحده – وهو الأشد فتكًا في العصر الحديث – ويقابله الطاعون في العصور الأقدم- ملايين الأروح. (رُصدت أول جائحة للإنفلونزا عام 1580 وزادت حالات الإصابة بالمرض بوتيرة متزايدة في القرون اللاحقة، وخلفت الإنفلونزا الإسبانية التي انتشرت بين عامي 1918 و1919 وحدها ما بين 40 إلى 50 مليون حالة وفاة في أقل من سنة).
كل هذه الفيروسات لم تختف من الوجود، إنها ما زالت موجودة بيننا، ما حدث أن العلم قد هزمها حين اكتشف تركيبتها وطريقة عملها وانتقالها، وصنع لها الترياق أو اللقاح الذي أخضعها فباتت أمراضًا تحت السيطرة، وربما اختفى بعضُها ولم نعد نسمع بوجوده.
إن تتبع مسيرة تطور العلوم على محور صراعها التاريخي مع الفيروسات منذ ما قبل ظهور علم الفيروسات (في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر) وبعده، يقودنا إلى حقيقة بسيطة وواضحة مفادها أن الأمراض المعدية جزء أصيل من طبيعة الحياة، وأن ما أسفرت عنه من أوبئة قد أسهم في تشكيل تاريخ البشرية (والوباء وفق منظمة الصحة العالمية هو حالة انتشار لمرض معين، بحيث تكون عدد حالات الإصابة أكبر مما هو متوقع في مجتمع محدد أو مساحة جغرافية معينة أو موسم أو مدة زمنية).
نظرة على ما ورد في كتب التاريخ، أو ما نقله لنا الرحالة عن الأوبئة التي ضربت الدنيا في أزمنة وأمكنة مختلفة فحصدت آلاف الأرواح، تثبت أن الأوبئة تأتي وتذهب وأن البشرية تبقى وتقاوم وتتعلم.
سنجد أمثلة كثيرة عن الطاعون أو ما سمي بالموت الأسود، الذي حصد مئات الملايين عبر العالم، ووردت إشارات إليه في كتابات العرب كالمقريزي والبغدادي والعياشي وابن بطوطة وابن خلدون، أو في كتابات الأوربيين كدافنشي وغيره.
مثلًا، ينقل لنا ابن خلدون خبر "الطاعون الجارف"، في منتصف المئة الثامنة، الذي "ذهب بأهل الجيل، وطوى كثيراً من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها، وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل، وتبدل الساكن. وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته ومقدار عمرانه. وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة".
ويحدثنا المؤرخ المصري ابن إياس، عما جرى في عام 815 هجرية (1412 ميلادية)، في عهد الأمير شيخ المحمودي الملقب بالملك المؤيد، يقول "وفي بداية عهده، وقعت عدة اضطرابات، إذ أن مصر شهدت وقتئذ طاعوناً جارفاً، من أشد الطواعين التي رأتها مصر حتى هذا التاريخ، كان الناس يتساقطون في الطرقات، حتى إن الواحد قبل خروجه من بيته كان يكتب اسمه على ذراعه، ليعرفه الناس إذا مات في الطريق، حتى الطيور في السماء، والحيوانات أدركها الطاعون، ولم يكن الطاعون غريباً عن الناس في هذا العصر، كان أجدادنا يقاسون منه كل عام تقريباً، حتى صارت له مواعيد في الظهور، ووقت معين يبلغ فيه حدة لا حدة بعدها".
ويضيف ابن إياس: "عندما اشتد أمر هذا الطاعون، خرج السلطان المؤيد شيخ إلى الصحراء خارج القاهرة، وصلى عاري الرأس فوق الرمال، وانحنى باكياً، متضرعاً إلى الله كي يزيل الغمة والوباء عن الناس، وقدم قرباناً".
مشهد رهيب، وصفه لنا ابن إياس، يرسم لنا صورةً مؤثرة للعجز الإنساني في مواجهة الكوارث التي يحار في فهم أسبابها وعلاجها.
وهو الأمر الذي يفسر سلوك الناس غير الصحي في مواجهة "الطاعون الأعظم" الذي حل بدمشق في أواخر شهر ربيع الثاني سنة تسع وأربعين. لقد كانت ممارستهم -التي أثبتها ابن بطوطة في رحلته- كفيلة بزيادة تفشي الوباء، وليس الحد منه؛ إذ يقول في معرض استدلاله على تعظيم أهل دمشق للمسجد الأموي "اجتمع الأمراء والشرفاء والقضاة والفقهاء وسائر الطبقات على اختلافها في الجامع، حتى غص بهم، وباتوا ليلة الجمعة ما بين مصلٍ وذاكر وداعٍ، ثم صلوا الصبح، وخرجوا جميعاً على أقدامهم، وبأيديهم المصاحف، والأمراء حفاة. وخرج جميع أهل البلد ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً، وخرج اليهود بتوراتهم، والنصارى بإنجيلهم، ومعهم النساء والولدان، وجميعهم باكون متضرعون إلى الله بكتبه وأنبيائه، وقصدوا مسجد الأقدام، وأقاموا به في تضرعهم ودعائهم إلى قرب الزوال، وعادوا إلى البلد، وصلوا الجمعة".
لقد بلغ عدد الموتى في دمشق ألفين في اليوم الواحد، وهو رقم اعتبره ابن بطوطة خفيفًا مقارنة بالقاهرة التي وصل عدد الموتى فيها آنذاك إلى أربعة وعشرين ألفاً باليوم الواحد.
لا شك في أن أي مقارنة بين زمننا، وتلك الأزمنة القديمة، ستفتقر إلى الإنصاف، إلا أن الشاهد الذي نود استخلاصه هنا هو التأكيد على دور العلم، ماذا لو أن هؤلاء الأقوام عرفوا أشياء عن طبيعة الفيروسات وكيفية انتشارها، وطرق الوقاية منها؟ حتى في غياب اللقاحات والأمصال، بالتأكيد لن يكون رد فعلهم التجمع بالآلاف في المساجد والكنائس والساحات لساعات طوال، أو تشييع الموتى في جنازات مزدحمة، أو احتضان المرضى من باب العطف أو الحزن.. ولا شك في أن ذلك كان سيخفف كثيرًا من عدد الضحايا المذهل الذي سجلته لنا كتب التاريخ والرحلات.
بعيدًا عن الفيروسات، ولكن في عالم الأمراض أيضًا، نُشرت قبل فترة قائمة علمية موثقة بالأمراض العشرة الأشد فتكًا في العصر الحديث، احتل فيها مرض الشريان التاجي المقدمة، فهو المسؤول عن أكثر من 15 في المائة من وفيات العالم، تقريبا 9 ملايين إنسان وفق إحصائية 2015. تليه وفيات السكتة الدماغية بنسبة تزيد قليلًا عن 11 في المائة، 6 ملايين وفاة عام 2015. ثم التهاب الجهاز التنفسي السفلي، المسؤول عن أقل من 6 في المائة، حوالي ثلاثة ملايين عام 2015. ثم الانسداد الرئوي بنسبة مقاربة لذلك. ثم سرطان الشعب الهوائية الذي يحصد 3 في المائة من وفيات الأرض، أكثر من مليون ونصف المليون سنة 2015، وهي نسبة قريبة مما يحصده مرض السكري، وتزيد قليلًا عن النسبة التي يحصدها كل من الزهايمر وأمراض الخرف الشبيهة به، أو أمراض الجفاف، وكذلك السل، وتليف الكبد.
هذه الجولة السريعة بين حقول التاريخ وعلمي الأمراض والفيروسات، وأخبار الأوبئة، تجعلنا ننظر إلى فيروس «كورونا المستجد»، الذي نشأ في الصين في شهر ديسمبر الماضي، وانتقل منها إلى مختلف أنحاء العالم، ووصلت حصيلة الوفيات الناجمة عنه -حتى تاريخ كتابة المقال- إلى نحو 40 ألف، من إجمالي 800 ألف إصابة تماثل ربعها تقريبا للشفاء، ووُصفت أعراض 560 ألف منها بالخفيفة... باعتباره وباءً على هامش التاريخ، إنه رقم ضئيل حقًا إذا قارناه بما أشرنا إليه من ضحايا الفيروسات والأوبئة التي قضت على عشرات ومئات الآلاف وربما مئات الملايين في أيام معدودة أو في أسابيع، أو بالملايين الذين يقضون نتيجة الأمراض العشرة الأشد فتكًا.
تكتمل الصورة إذا ذكرنا أن البشر لم يعودوا كما كانوا -يتكدسون في الساحات أو في دور العبادة طلبًا لرفع البلاء بينما هم يمنحونه الفرصة للنمو والتنقل بينهم- بل صار العالم أكثر وعيًا، والحكومات أكثر تنظيمًا، وقد تحرر العقل من منظومة الأفكار الغيبية التي سيطرت عليه آنذاك، وصار يتبع منظومة العلم، ويعلي من قيمة العلماء.
التحليل الموضوعي للأمر يقود إلى أن فيروس كورونا المستجد سوف ينضم قريبًا إلى قائمة الأمراض تحت السيطرة، لأن العلماء بالفعل يمتلكون خريطته الجينية ويعرفون عائلته ويختبرون وسائل التعامل معه.
ظهرت الآن -ولم تمر أسابيع قليلة- أجهزة أكثر دقة وأسهل في الاستعمال للكشف عن وجود الفيروس، وثمة علاجات قيد الاختبار المعملي والعملي، وقريبا ستكون بين أيدينا اللقاحات. قد يمر بعض الوقت، يقدره الخبراء بثمانية عشر شهرًا وهي دورة تقديرية محسوبة بالمدى الزمني الذي تتطلبه بعض التحاليل المختبرية. كما يقدرون أن حرارة الصيف سوف تحد من انتشاره، وسنكون في الشتاء المقبل أكثر استعدادًا لمواجهته وضمه إلى سلة الأمراض المعدية -تحت السيطرة.
إلى أن يحدث ذلك يجب أن نكون كلنا في عزلتنا الصحية، جنودًا نتبع توجيهات منظمة الصحة العالمية، ونلبي نداء العقل بالبقاء في بيوتنا، والحفاظ على النظافة، للحد من انتشار الفيروس، والانصياع لترتيبات حكومتنا الواعية وقياداتها التي تسخر كل طاقتها وإمكاناتها لحمايتنا من هجمة هذا الكابوس الشرس، إلى أن يفك العلم سياجَه الذي يتحصن به.
وهؤلاء الذين يقعون فريسة لهجمة هذا الزائر الشرس، هم في منزلة عالية؛ وحسبهم أنهم كانوا الجسر الشريف لمرور البشرية نحو منطقة آمنة، مثلما يفعل شجعانُ النمل حين يعترض المسيرةَ معبرٌ مائي فيشكلون من أجسادهم جسرًا للبقية، لكي تستمر الحياة.

    العالم أسرة واحدة محمد أحمد السويدي   في واحدة من قصائده المترعة بالحياة، يقول الشاعر التشيكي الحاصل على جائزة نوبل، ياروسلاف سيفرت، في ديوانه "قرع الأجراس"، متحدثًا عن الجنود في أوقات الحرب: "الشعراء الحقيقيون هم الذين على جبهة القتال"، ففي أوقات المحن والشدائد، يتراجع الشعراء ليتقدم المحاربون الصفوف.   والشعراء الذين يستحقون الحفاوة في اللحظة التي يعيشها العالم الآن، هم هؤلاء الذين يتصدون لنزال فيروس كورونا المستجد، القاتل، في خطوط المواجهة المتقدمة، بشجاعة قلّ نظيرُها. شعراء اللحظة الراهنة هم الأطباء والممرضون، كل النساء والرجال العاملون في قطاع الصحة، وعمال البلديات الذين يتصدون لأعمال التعقيم والتطهير، والباحثون والخبراء في معاملهم ومختبراتهم، ورجال الأمن الساهرون على ضبط إيقاع الحياة وقت الأزمة... هؤلاء هم من ينسجون الآن من لحم الحياة ودمها نصًّا شعريًا شديدَ العمق في ارتباطه بلحظة الإنسانية الراهنة. وترتفع قيمتهم أكثر لأن نزالهم مع عدو متخفّ، لم يكشف كنهه بعد، يرى من لا يرونه ويختار من يهاجم، كالموت السارق حين يصفه شاعر العربية الأول أبو الطيب المتنبي "يصولُ بلا كَفٍّ ويَسعى بلا رِجْل". هذا السارق الذي يتربّص بنا الآن "كورونا المستجد"، وإن كنا نعرف شفرته الجينية، فلا زلنا لا نستطيع رؤيته. ولكن لا يخامرني الشك في أننا منتصرون.. وفي أن الإنسانية سوف تنتصر بفضل هؤلاء الشعراء الشجعان والنبلاء الذين يتقدمون خطوط القتال، وبقوة تلاحم بقية أفراد أسرة الإنسانية. في هذه اللحظة الفارقة من عمر البشرية تتجسد أمام عيني مقولة شكسبير في رائعته (ترويلوس وكريسيدا): "إن لمسة واحدة للطبيعة تجعل العالم كله أسرة واحدة". وإني لأرى هذه الأسرة تتلاحم، وأراها تعبر إلى الشاطئ الجديد، كما عبرت من قبل تحت وطأة ظروف أشد صعوبة، كان العلم فيها وليدًا يتعثّر في خطواته الأولى. قد تحضر في أذهاننا اليوم ذكريات عن أوبئة معاصرة مثل الإيبولا والسارس (وهو من عائلة كورونا المستجد)، والدينجو، أو فيروس زيكا، إلى آخر هذه القائمة من الفيروسات التي أسقطت الآلاف من الضحايا، سمعنا عنها في الإعلام ولم نكن بعيدين عن مخالبها، لولا أن تداركتها المجتمعات والحكومات بإجراءات التحصين والوقاية، إلى أن أدركها العلم بلقاحات ناجعة. الأجيال الأقدم قليلًا، تعرف جيدا أمراضًا معدية منها: شلل الأطفال (الشكل الأكثر ندرة وشدة في العدوى، في القرن العشرين، وبلغت ذروتها في عام 1952)، واثنان من بين أقدم الفيروسات التي أصابت الإنسان بعد تطورها من خلال الحيوانات: (الحصبة، والجدري الذي راح ضحيّته 56 مليون شخص عند ظهوره في عام 1520)، والملاريا، والتيفود، والدفتريا والكوليرا (التي أودت بحياة مليون شخص حول العالم بين عامي 1817 و1923)، والتيتانوس والسل، والزهري، والجذام. القائمة ممتدة وطويلة، تشمل أمراضًا أخرى منها داء الكلب، والإسهال المعدي، أو حمى الضنك، والحمى الصفراء والهانتا، والجمرة الخبيثة، والتهاب السحايا، وغيرها. كل واحد من هذه الأمراض المعدية، حصد في طريقه الآلاف وربما الملايين من الأروح. لقد حصد فيروس الأنفلونزا وحده – وهو الأشد فتكًا في العصر الحديث – ويقابله الطاعون في العصور الأقدم- ملايين الأروح. (رُصدت أول جائحة للإنفلونزا عام 1580 وزادت حالات الإصابة بالمرض بوتيرة متزايدة في القرون اللاحقة، وخلفت الإنفلونزا الإسبانية التي انتشرت بين عامي 1918 و1919 وحدها ما بين 40 إلى 50 مليون حالة وفاة في أقل من سنة). كل هذه الفيروسات لم تختف من الوجود، إنها ما زالت موجودة بيننا، ما حدث أن العلم قد هزمها حين اكتشف تركيبتها وطريقة عملها وانتقالها، وصنع لها الترياق أو اللقاح الذي أخضعها فباتت أمراضًا تحت السيطرة، وربما اختفى بعضُها ولم نعد نسمع بوجوده. إن تتبع مسيرة تطور العلوم على محور صراعها التاريخي مع الفيروسات منذ ما قبل ظهور علم الفيروسات (في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر) وبعده، يقودنا إلى حقيقة بسيطة وواضحة مفادها أن الأمراض المعدية جزء أصيل من طبيعة الحياة، وأن ما أسفرت عنه من أوبئة قد أسهم في تشكيل تاريخ البشرية (والوباء وفق منظمة الصحة العالمية هو حالة انتشار لمرض معين، بحيث تكون عدد حالات الإصابة أكبر مما هو متوقع في مجتمع محدد أو مساحة جغرافية معينة أو موسم أو مدة زمنية). نظرة على ما ورد في كتب التاريخ، أو ما نقله لنا الرحالة عن الأوبئة التي ضربت الدنيا في أزمنة وأمكنة مختلفة فحصدت آلاف الأرواح، تثبت أن الأوبئة تأتي وتذهب وأن البشرية تبقى وتقاوم وتتعلم. سنجد أمثلة كثيرة عن الطاعون أو ما سمي بالموت الأسود، الذي حصد مئات الملايين عبر العالم، ووردت إشارات إليه في كتابات العرب كالمقريزي والبغدادي والعياشي وابن بطوطة وابن خلدون، أو في كتابات الأوربيين كدافنشي وغيره. مثلًا، ينقل لنا ابن خلدون خبر "الطاعون الجارف"، في منتصف المئة الثامنة، الذي "ذهب بأهل الجيل، وطوى كثيراً من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها، وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل، وتبدل الساكن. وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته ومقدار عمرانه. وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة". ويحدثنا المؤرخ المصري ابن إياس، عما جرى في عام 815 هجرية (1412 ميلادية)، في عهد الأمير شيخ المحمودي الملقب بالملك المؤيد، يقول "وفي بداية عهده، وقعت عدة اضطرابات، إذ أن مصر شهدت وقتئذ طاعوناً جارفاً، من أشد الطواعين التي رأتها مصر حتى هذا التاريخ، كان الناس يتساقطون في الطرقات، حتى إن الواحد قبل خروجه من بيته كان يكتب اسمه على ذراعه، ليعرفه الناس إذا مات في الطريق، حتى الطيور في السماء، والحيوانات أدركها الطاعون، ولم يكن الطاعون غريباً عن الناس في هذا العصر، كان أجدادنا يقاسون منه كل عام تقريباً، حتى صارت له مواعيد في الظهور، ووقت معين يبلغ فيه حدة لا حدة بعدها". ويضيف ابن إياس: "عندما اشتد أمر هذا الطاعون، خرج السلطان المؤيد شيخ إلى الصحراء خارج القاهرة، وصلى عاري الرأس فوق الرمال، وانحنى باكياً، متضرعاً إلى الله كي يزيل الغمة والوباء عن الناس، وقدم قرباناً". مشهد رهيب، وصفه لنا ابن إياس، يرسم لنا صورةً مؤثرة للعجز الإنساني في مواجهة الكوارث التي يحار في فهم أسبابها وعلاجها. وهو الأمر الذي يفسر سلوك الناس غير الصحي في مواجهة "الطاعون الأعظم" الذي حل بدمشق في أواخر شهر ربيع الثاني سنة تسع وأربعين. لقد كانت ممارستهم -التي أثبتها ابن بطوطة في رحلته- كفيلة بزيادة تفشي الوباء، وليس الحد منه؛ إذ يقول في معرض استدلاله على تعظيم أهل دمشق للمسجد الأموي "اجتمع الأمراء والشرفاء والقضاة والفقهاء وسائر الطبقات على اختلافها في الجامع، حتى غص بهم، وباتوا ليلة الجمعة ما بين مصلٍ وذاكر وداعٍ، ثم صلوا الصبح، وخرجوا جميعاً على أقدامهم، وبأيديهم المصاحف، والأمراء حفاة. وخرج جميع أهل البلد ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً، وخرج اليهود بتوراتهم، والنصارى بإنجيلهم، ومعهم النساء والولدان، وجميعهم باكون متضرعون إلى الله بكتبه وأنبيائه، وقصدوا مسجد الأقدام، وأقاموا به في تضرعهم ودعائهم إلى قرب الزوال، وعادوا إلى البلد، وصلوا الجمعة". لقد بلغ عدد الموتى في دمشق ألفين في اليوم الواحد، وهو رقم اعتبره ابن بطوطة خفيفًا مقارنة بالقاهرة التي وصل عدد الموتى فيها آنذاك إلى أربعة وعشرين ألفاً باليوم الواحد. لا شك في أن أي مقارنة بين زمننا، وتلك الأزمنة القديمة، ستفتقر إلى الإنصاف، إلا أن الشاهد الذي نود استخلاصه هنا هو التأكيد على دور العلم، ماذا لو أن هؤلاء الأقوام عرفوا أشياء عن طبيعة الفيروسات وكيفية انتشارها، وطرق الوقاية منها؟ حتى في غياب اللقاحات والأمصال، بالتأكيد لن يكون رد فعلهم التجمع بالآلاف في المساجد والكنائس والساحات لساعات طوال، أو تشييع الموتى في جنازات مزدحمة، أو احتضان المرضى من باب العطف أو الحزن.. ولا شك في أن ذلك كان سيخفف كثيرًا من عدد الضحايا المذهل الذي سجلته لنا كتب التاريخ والرحلات. بعيدًا عن الفيروسات، ولكن في عالم الأمراض أيضًا، نُشرت قبل فترة قائمة علمية موثقة بالأمراض العشرة الأشد فتكًا في العصر الحديث، احتل فيها مرض الشريان التاجي المقدمة، فهو المسؤول عن أكثر من 15 في المائة من وفيات العالم، تقريبا 9 ملايين إنسان وفق إحصائية 2015. تليه وفيات السكتة الدماغية بنسبة تزيد قليلًا عن 11 في المائة، 6 ملايين وفاة عام 2015. ثم التهاب الجهاز التنفسي السفلي، المسؤول عن أقل من 6 في المائة، حوالي ثلاثة ملايين عام 2015. ثم الانسداد الرئوي بنسبة مقاربة لذلك. ثم سرطان الشعب الهوائية الذي يحصد 3 في المائة من وفيات الأرض، أكثر من مليون ونصف المليون سنة 2015، وهي نسبة قريبة مما يحصده مرض السكري، وتزيد قليلًا عن النسبة التي يحصدها كل من الزهايمر وأمراض الخرف الشبيهة به، أو أمراض الجفاف، وكذلك السل، وتليف الكبد. هذه الجولة السريعة بين حقول التاريخ وعلمي الأمراض والفيروسات، وأخبار الأوبئة، تجعلنا ننظر إلى فيروس «كورونا المستجد»، الذي نشأ في الصين في شهر ديسمبر الماضي، وانتقل منها إلى مختلف أنحاء العالم، ووصلت حصيلة الوفيات الناجمة عنه -حتى تاريخ كتابة المقال- إلى نحو 40 ألف، من إجمالي 800 ألف إصابة تماثل ربعها تقريبا للشفاء، ووُصفت أعراض 560 ألف منها بالخفيفة... باعتباره وباءً على هامش التاريخ، إنه رقم ضئيل حقًا إذا قارناه بما أشرنا إليه من ضحايا الفيروسات والأوبئة التي قضت على عشرات ومئات الآلاف وربما مئات الملايين في أيام معدودة أو في أسابيع، أو بالملايين الذين يقضون نتيجة الأمراض العشرة الأشد فتكًا. تكتمل الصورة إذا ذكرنا أن البشر لم يعودوا كما كانوا -يتكدسون في الساحات أو في دور العبادة طلبًا لرفع البلاء بينما هم يمنحونه الفرصة للنمو والتنقل بينهم- بل صار العالم أكثر وعيًا، والحكومات أكثر تنظيمًا، وقد تحرر العقل من منظومة الأفكار الغيبية التي سيطرت عليه آنذاك، وصار يتبع منظومة العلم، ويعلي من قيمة العلماء. التحليل الموضوعي للأمر يقود إلى أن فيروس كورونا المستجد سوف ينضم قريبًا إلى قائمة الأمراض تحت السيطرة، لأن العلماء بالفعل يمتلكون خريطته الجينية ويعرفون عائلته ويختبرون وسائل التعامل معه. ظهرت الآن -ولم تمر أسابيع قليلة- أجهزة أكثر دقة وأسهل في الاستعمال للكشف عن وجود الفيروس، وثمة علاجات قيد الاختبار المعملي والعملي، وقريبا ستكون بين أيدينا اللقاحات. قد يمر بعض الوقت، يقدره الخبراء بثمانية عشر شهرًا وهي دورة تقديرية محسوبة بالمدى الزمني الذي تتطلبه بعض التحاليل المختبرية. كما يقدرون أن حرارة الصيف سوف تحد من انتشاره، وسنكون في الشتاء المقبل أكثر استعدادًا لمواجهته وضمه إلى سلة الأمراض المعدية -تحت السيطرة. إلى أن يحدث ذلك يجب أن نكون كلنا في عزلتنا الصحية، جنودًا نتبع توجيهات منظمة الصحة العالمية، ونلبي نداء العقل بالبقاء في بيوتنا، والحفاظ على النظافة، للحد من انتشار الفيروس، والانصياع لترتيبات حكومتنا الواعية وقياداتها التي تسخر كل طاقتها وإمكاناتها لحمايتنا من هجمة هذا الكابوس الشرس، إلى أن يفك العلم سياجَه الذي يتحصن به. وهؤلاء الذين يقعون فريسة لهجمة هذا الزائر الشرس، هم في منزلة عالية؛ وحسبهم أنهم كانوا الجسر الشريف لمرور البشرية نحو منطقة آمنة، مثلما يفعل شجعانُ النمل حين يعترض المسيرةَ معبرٌ مائي فيشكلون من أجسادهم جسرًا للبقية، لكي تستمر الحياة. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

السلام عليك يا صاحب القبر - محمد أحمد السويدي
أدين بدين الحب
مع مطلع كل عام يتجدد الموعد
كوكو شانيل
وادي غوفي
العالم أسرة واحدة
مع مطلع كل عام يتجدد الموعد