Arabic    

فلسفة شكسبير من قصة الحضارة


2020-04-27
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : أعمال شكسبير
التصنيف : قصة الحضارة

 
5- فلسفة شكسبير من قصة الحضارة
 
"ألك أية فلسفة، أيها الراعي(56)؟" هكذا يسأل تتشستون Toutchstone الراعي كورين (في رواية "على هواك") ونحن بدورنا نوجه هذا السؤال إلى شكسبير. ويجيب أحد منافسيه المعترف بهم على السؤال بالنفي(57). وإنا لنقبل هذا الحكم، كما قصده برنادشو- ليس لدى شكسبير ميتاً فيزيقاً (فيما وراء الطبيعة) ولا فكرة عن الطبيعة النهائية للحقيقة، ولا نظرية عن الإله. وكان شكسبير أعقل من أن يذهب إلى أن أي مخلوق يستطيع تحليل خالقه، أو أنه حتى عقله المرتكز على قطعة لحم، يمكنه أن يدرك الكل. أي هوراشيو، إن في السماء والأرض لأشياء أكثر مما تحلم به في فلسفتك(58)). وإذا راوده خاطر احتفظ به لنفسه، ومن ثم أثبت به أنه فيلسوف. وهو يتحدث دون اكترث أو إجلال للفلاسفة المشهود لهم، ويشك في أن واحداً منهم احتمل يوماً ألماً في أسنانه صابراً متجلداً(59). وهو يسخر من المنطق، ويؤثر عليه نور الخيال، وهو لا يعرض أن يفك طلاسم الحياة أو العقل، ولكنه يشعر بها ويبصر بها بقوة تزري بإفتراضاتنا أو تعمقها. وإنه ليقف بعيداً، ويرقب أصحاب النظريات يدمر بعضهم بعضاً، أو يتفسخون ويتحللون في غمرات الزمان. وإنه ليخفي نفسه في شخصياته، وليس من اليسير أن تعثر عليه، ويجدر بنا أن نحذر نسبة أي رأي إليه، إلا إذا عبر عنه في شيء من التوكيد اثنان على الأقل من مخلوقاته (شخوص مسرحياته). وإنه، لأول وهلة، عالم نفساني، أكثر منه فيلسوف، ولكنه كذلك ليس نظرياً، بل على الأرجح، مصور فكري عقلي، يضع يده على الأفكار الخفية والأفعال العرضية التي تكشف عن طبيعة الإنسان. ومهما يكن من أمر، فانه ليس واقعياً سطحياً، فان الأشياء لا تقع، والناس لا يتكلمون، وفي الحياة، كما يحدث في رواياته، ولكننا في النهاية نحس من خلال هذه الأشياء البعيدة الاحتمال وهذه المغالاة. أننا نقترب من لب الإنسانية والفكر الإنساني، وإن شكسبير ليعلن جيداً، مثل شوبنهور "أن العقل يقود الإرادة(60) وانه ليعتنق مذهب فرويد اعتناقاً كاملاً، حين يورد قصائد الجنس على لسان العذارى، لسان أوفيليا المخبولة التي تتضور جوعاً، ويذهب فيما وراء فرويد إلى دوستوفسكي في دراسة ماكبث ونصفه "الرديء" (زوجته).
وإذا فسرنا الفلسفة، لا على أنها علم ما وزراء الطبيعة- الميتافيزيقيا، بل على أنها رسم متطور لأحوال الإنسان، أو نظرة تعميمية، لا للكون والعقل وحدهما، بل للأخلاق والسياسة والتاريخ والعقيدة كذلك- نقول إذا فسرنا الفلسفة على هذا الأساس، لكان شكسبير فيلسوفاً أعمق من بيكون، مثلما أن مونتاني أعمق من ديكارت، فليس الشكل هو الذي يصنع الفلسفة. إنه ليقر النسبية في الأخلاق "ليس ثمة شيء حسن أو رديء، ولكن التفكير هو الذي يجعله كذلك(61)". "وإن فضائلنا لتخضع لتفسير الزمن(62). وأنه ليحس بلغز مذهب الجبرية (القضاء والقدر) المحير في أن بعض الناس أشرار بالوراثة "على حين أنهم غير مذنبين، طالما أن الأخلاق لا تستطيع أن تختار أصلها أو منشأها(63)". وإنه ليعرف نظرية ثراسيماخوس (فيلسوف سفسطائي إغريقي في القرن الخامس ق.م.) في الأخلاق: فيعتقد ريتشارد الثالث أن "الضمير ليس إلا كلمة يستخدمها، الجبناء ابتكرت، أول ما ابتكرت، لتلقي الرعب في قلوب الأقوياء، فلتكن سواعدنا المفتولة هي ضميرنا، ولتكن أسيافنا قانونا(64)". أما ريتشارد الثاني فيقرر "أن أجدر الناس بالتملك هم أولئك الذين يعرفون أقوى السبل وأكثرها ضماناً للكسب(65)". ولكن هذين الشخصين الذين اتبعا نيتشه باءا بخاتمة محزنة. ويلحظ شكسبير،
 
أيضاً خلق الأرستقراطية الإقطاعية الذي يتمسك بالشرف، ويصفه بعبارات عظيمة، ولكنه يستنكر (كما ورد على لسان المهرج هتسيبر) نزوعه إلى الزهو والعنف، و"سوء السلوك والحاجة إلى ضبط النفس(66)". أما الأخلاق عنده هو، فتقوم في النهاية على اعتدال ارسطو وضبط النفس عند الرواقيين. وكان الاعتدال والتعقل الموضوع الرئيسي في حديث يوليسيوز الذي أنب فيه أجاكس وأشيللس(67)، ومهما يكن من أمر، فان العقل وحده لا يكفي، ولا بد أن يدعمه خيط من توجيه الرواقيين:
 
على المرء أن يحتمل
 
ذهابه هناك قدر احتماله قدومه هنا
 
والنضج هو كل شيء(68).
 
والموت أمر يمكن التجاوز عنه ما دمنا قد حققنا أنفسنا. وشكسبير يؤيد أبيقور كذلك، ولا يسلم بتناقضات فاصلة بين اللذة والحكمة، ويرد على البيوريتانيين بشدة فيورد على لسان الخادمة ماريا قولها لمالفوليو: "اذهب وهز أذنيك(69)" أي "أنت جحش". وهو متسامح، مثل البابا، في خطايا الجسد، ويجري على لسان لير المجنون أنشودة مرحة صاخبة للاتصال الجنسي(70).
أما فلسفته السياسية فتتسم بروح المحافظة. وأدرك آلام الفقراء، وجعل لير يرددها في إحساس عميق. ولحظ صياد سمك في "بركليز" (1609؟) أن الأسماك تعيش في البحر:
مثلما يعيش الإنسان على الأرض- تأكل كبارها صغارها، ولا يمكن أن أقارن أغنيائنا البخلاء، مقارنة سليمة، ألا بالحوت، يلعب ويلهو ويسوق صغار السمك المسكين أماه، وفي النهاية يلتهمه دفعة واحدة، ولقد سمعت عن مثل هؤلاء الحيتان على الأرض، لا يفتئون يفغرون أفواههم حتى يبتلعوا الأبرشية بأسرها، والكنيسة، والبرج، والأجراس، وكل شيء(71)".
ويحلم جنزالوا في "العاصفة" بشيوعية فوضوية "يكون فيها كل ما تنتجه الطبيعة ملكاً مشاعاً"، ولا يكون فيها قوانين ولا قضاة أو حكام ولا عمال
 
ولا حرب(72). ولكن شكسبير يهزأ بهذه "المدينة الفاضلة"- يوتوبيا- لأن طبيعة الإنسان تجعل من المستحيل قيامها. ولا بد، في ظل أي دستور، من أن تأكل الحيتان السمك.
وماذا كانت ديانة شكسبير؟. إن البحث عن فلسفته في هذا المجال، بوجه خاص، شاق عسير. فهو من خلال أشخاص مسرحياته يعبر عن كل المعتقدات، في تسامح لا بد أنه كان يحمل البيوريتانيين على القول بأنه كافر. وكثيراً ما استشهد بالكتاب المقدس في إجلال وتقديس، وجعل هملت، المفروض أنه متشكك، يتحدث، عن الإيمان، عن الله والصلاة والسماء والجحيم(73). ولقد عمد شكسبير وأبناؤه وفقاً للطقوس الأنجليكانية(74). وبعض أبياته تنم على بروتستانتية قوية ويتحدث الملك جون عن "الغفران البابوي" على أنه "شعوذة وسحر". وكأنه يستبق هنري الثامن:
 
... لن يفرض قسيس إيطالي
 
دفع العشور أو يقرع الناقوس في أرضنا،
 
ولكن، كما أننا نرفع الرأس عالياً تحت السماء،
 
فستكون لنا السيادة العظمى في وجود الله العلي العظيم،
 
حيث نملك ونحكم، ونثبت الملك وحدنا،
 
هكذا أنبئوا البابا، مع كل الاحترام
 
له ولسلطانه المغتصب(75).
 
على أن جون، بطبيعة الحال، يكر عن خطيئته، آخر الأمر. وثمة رواية بعد هذه، هي "هنري الثامن"، اشترك شكسبير في جزء منها فقط، تزودنا بصور مؤيدة لهنري وكرانمير (أسقف كنتربري)، وتنتهي بمديح إليزابث- وكلهم كبار مهندسي الإصلاح الديني في إنجلترا. وثمة مسحة كاثوليكية، مثلما جاء في تصوير كترين- أراجوان والراهب لورنس، بشكل فيه تعاطف(76)، ولكن الشخصية الأخيرة كانت قد جاءت إلى شكسبير، كما شكلت في أخبار الكاثوليك الإيطاليين.
 
وهناك بعض إيمان باق في الروايات المأساوية. ويظن الملك لير، من فرط ما يشعر به من مرارة:
إننا بالنسبة للآلهة، مثل الذباب بالنسبة للأطفال الأشقياء
يقتلونه من أجل اللهو واللعب(77).
ولكن إدجار الطيب يرد على ذلك بقوله "ولكن الآلهة عدول، وإنهم ليتخذون من رذائلنا السارة أدوات لتعذيبنا(78)"، كما يؤكد هملت إيمانه "باله يشكل نهايتنا ويقطعها دون صقل كيف ما نشاء(79).." وعلى الرغم من الإيمان الذي يصطرع في النفوس، بعناية إلهية تتصرف معنا تصرفاً عادلاً، هناك في أعظم روايات شكسبير من عدم الإيمان بالحياة نفسها، فان جاك (أحد أتباع الدوق المطرود في رواية على هواك.) لا يرى في "العصور السابقة" للإنسان شيئاً إلا كان بطيء النمو سريع العطب. ونسمع مثل هذه "اللازمة" في رواية الملك جون:
 
الحياة مملة مثل حكاية تروى مرتين
 
فترهق الأذن الثقيلة لرجل نعسان(80).
 
وفي ذم هملت للدنيا:
 
تباً لها آه، تباً لها، إنها حديقة ملأى بالأعشاب الضارة.
 
التي تنمو وتتكاثر، وكل شيء يحدث ويكبر في الطبيعة،
 
نمتلكه فحسب(81).
 
وفي ماكبث:
 
إنطفئي، أيتها الذبالة القصيرة!
 
ليست الحياة إلا خيالاً عابراً،
 
أو هي أشبه بممثل مسكين يختال ويضيع وقته فوق المسرح،
 
ثم لا يعود يسمع له صوت، إنها حكاية
 
يرويها معتوه، تعج بالضجيج والعنف،
 
ولكنها لا تعني شيئاً(82).
 
وهل ثمة شيء من فكرة الخلود يخفف من حدة هذا التشاؤم؟ إن لورنزو- بعد أن وصف لجسيكا موسيقى النجوم، يضيف أن "مثل هذا التناغم أو الانسجام
 
موجودة في النفس الخالدة.(83). وتخيل كلوديو في رواية Measure For Measure حياة آخرة، ولكن بالشكل القائم في جحيم دانتي أو مثوى الموات:
 
آه ولكنا نموت، ونذهب إلى حيث لا ندري،
 
ونرقد في حفرة باردة بعيدين عن الأنظار، ونتعفن،
 
وتتحول الحركة الدائبة المحسوسة إلى كتلة من طين معجون،
 
وتستحم الروح المرحة في بحار من نار، أو تسكن
 
في صقع متماوج من جليد متراكم تراكماً كثيفاً
 
أو تسجن في الرياح غير المنظورة
 
التي تهب في عنف لا يهدأ حول
 
العالم المتدلي.... أن هذا شيء بالغ الرهبة(84).
 
وتحدث هملت عرضاً عن النفس، على أنها خالدة(85). ولكن مناجاته لا تؤكد أية عقيدة أو إيمان. وكلماته على فراش الموت في النسخة القديمة "فلتستقبل السماء نفسي"، غيرها شكسبير إلى أن الراحة هي السكون (الموت).
ولسنا نستطيع أن نقول، على وجه التحقيق، كم من هذا التشاؤم، جاء نتيجة لمتطلبات المسرحية المأساوية. وكم منه كان يعبر عن حالة شكسبير النفسية، ولكن تكراره وتوكيده يوحيان بأنه- أي التشاؤم- عبر عن أحلك مراحل فلسفته. وإنما كان التخفيف الوحيد الذي جاء في الروايات التي توجت أعماله، كان اعترافاً حائراً متردداً بأنه يوجد هناك وسط رذائل هذه الدنيا نعم البركات ومباهج، كما يوجد وسط الأشرار الأوغاد كثير من الأبطال وبعض القديسين، فهناك إلى جانب ياجو وجدت ديدمونه، وإلى جانب جونريل وجدت كورديليا، وإلى جانب إدموند وجد أدجار أو كنت، وحتى في خملت، يهب نسيم عليل من وفاء هوراشيو، ومن رقة أوفيليا وحنانها الموسومين بالحزن والكآبة. وبعد أن يغادر الممثل والكاتب المسرحي المنهوك لندن بما فيها من فوضى ووحشية برغم الازدحام، إلى المروج الخضر والسلوى الأبوية في بيته في ستراتفورد، فلسوف يستعيد الحب الشديد للحياة لدى الإنسان.
 
أعلنت القرية الإلكترونية عن اطلاقها (أسبوع شكسبير) من 23 إلى 30 إبريل احتفاء ضمن برنامجها لنشر المعرفة وتسليط الضوء على الأدباء والمفكرين والشعراء الذين أثروا الحضارة الإنسانية وتاتي هذه المبادرة تزامنا مع ذكرى ميلاد شكسبير 23 إبريل 1564م، وسوف تنشر الصفحة مختارات عن شكسبير سيكون بينها مواد مسموعة ومرئية ومقروءة عن شكسبير منها ما كتبه ويل ديورانت في كتابه الشهير قصة الحضارة وهي مترجمة باللغة العربية ضمن مشروعاتنا الثقافية.
 
#محمد_أحمد_السويدي_أسبوع_شكسبير
 

 

  5- فلسفة شكسبير من قصة الحضارة   "ألك أية فلسفة، أيها الراعي(56)؟" هكذا يسأل تتشستون Toutchstone الراعي كورين (في رواية "على هواك") ونحن بدورنا نوجه هذا السؤال إلى شكسبير. ويجيب أحد منافسيه المعترف بهم على السؤال بالنفي(57). وإنا لنقبل هذا الحكم، كما قصده برنادشو- ليس لدى شكسبير ميتاً فيزيقاً (فيما وراء الطبيعة) ولا فكرة عن الطبيعة النهائية للحقيقة، ولا نظرية عن الإله. وكان شكسبير أعقل من أن يذهب إلى أن أي مخلوق يستطيع تحليل خالقه، أو أنه حتى عقله المرتكز على قطعة لحم، يمكنه أن يدرك الكل. أي هوراشيو، إن في السماء والأرض لأشياء أكثر مما تحلم به في فلسفتك(58)). وإذا راوده خاطر احتفظ به لنفسه، ومن ثم أثبت به أنه فيلسوف. وهو يتحدث دون اكترث أو إجلال للفلاسفة المشهود لهم، ويشك في أن واحداً منهم احتمل يوماً ألماً في أسنانه صابراً متجلداً(59). وهو يسخر من المنطق، ويؤثر عليه نور الخيال، وهو لا يعرض أن يفك طلاسم الحياة أو العقل، ولكنه يشعر بها ويبصر بها بقوة تزري بإفتراضاتنا أو تعمقها. وإنه ليقف بعيداً، ويرقب أصحاب النظريات يدمر بعضهم بعضاً، أو يتفسخون ويتحللون في غمرات الزمان. وإنه ليخفي نفسه في شخصياته، وليس من اليسير أن تعثر عليه، ويجدر بنا أن نحذر نسبة أي رأي إليه، إلا إذا عبر عنه في شيء من التوكيد اثنان على الأقل من مخلوقاته (شخوص مسرحياته). وإنه، لأول وهلة، عالم نفساني، أكثر منه فيلسوف، ولكنه كذلك ليس نظرياً، بل على الأرجح، مصور فكري عقلي، يضع يده على الأفكار الخفية والأفعال العرضية التي تكشف عن طبيعة الإنسان. ومهما يكن من أمر، فانه ليس واقعياً سطحياً، فان الأشياء لا تقع، والناس لا يتكلمون، وفي الحياة، كما يحدث في رواياته، ولكننا في النهاية نحس من خلال هذه الأشياء البعيدة الاحتمال وهذه المغالاة. أننا نقترب من لب الإنسانية والفكر الإنساني، وإن شكسبير ليعلن جيداً، مثل شوبنهور "أن العقل يقود الإرادة(60) وانه ليعتنق مذهب فرويد اعتناقاً كاملاً، حين يورد قصائد الجنس على لسان العذارى، لسان أوفيليا المخبولة التي تتضور جوعاً، ويذهب فيما وراء فرويد إلى دوستوفسكي في دراسة ماكبث ونصفه "الرديء" (زوجته). وإذا فسرنا الفلسفة، لا على أنها علم ما وزراء الطبيعة- الميتافيزيقيا، بل على أنها رسم متطور لأحوال الإنسان، أو نظرة تعميمية، لا للكون والعقل وحدهما، بل للأخلاق والسياسة والتاريخ والعقيدة كذلك- نقول إذا فسرنا الفلسفة على هذا الأساس، لكان شكسبير فيلسوفاً أعمق من بيكون، مثلما أن مونتاني أعمق من ديكارت، فليس الشكل هو الذي يصنع الفلسفة. إنه ليقر النسبية في الأخلاق "ليس ثمة شيء حسن أو رديء، ولكن التفكير هو الذي يجعله كذلك(61)". "وإن فضائلنا لتخضع لتفسير الزمن(62). وأنه ليحس بلغز مذهب الجبرية (القضاء والقدر) المحير في أن بعض الناس أشرار بالوراثة "على حين أنهم غير مذنبين، طالما أن الأخلاق لا تستطيع أن تختار أصلها أو منشأها(63)". وإنه ليعرف نظرية ثراسيماخوس (فيلسوف سفسطائي إغريقي في القرن الخامس ق.م.) في الأخلاق: فيعتقد ريتشارد الثالث أن "الضمير ليس إلا كلمة يستخدمها، الجبناء ابتكرت، أول ما ابتكرت، لتلقي الرعب في قلوب الأقوياء، فلتكن سواعدنا المفتولة هي ضميرنا، ولتكن أسيافنا قانونا(64)". أما ريتشارد الثاني فيقرر "أن أجدر الناس بالتملك هم أولئك الذين يعرفون أقوى السبل وأكثرها ضماناً للكسب(65)". ولكن هذين الشخصين الذين اتبعا نيتشه باءا بخاتمة محزنة. ويلحظ شكسبير،   أيضاً خلق الأرستقراطية الإقطاعية الذي يتمسك بالشرف، ويصفه بعبارات عظيمة، ولكنه يستنكر (كما ورد على لسان المهرج هتسيبر) نزوعه إلى الزهو والعنف، و"سوء السلوك والحاجة إلى ضبط النفس(66)". أما الأخلاق عنده هو، فتقوم في النهاية على اعتدال ارسطو وضبط النفس عند الرواقيين. وكان الاعتدال والتعقل الموضوع الرئيسي في حديث يوليسيوز الذي أنب فيه أجاكس وأشيللس(67)، ومهما يكن من أمر، فان العقل وحده لا يكفي، ولا بد أن يدعمه خيط من توجيه الرواقيين:   على المرء أن يحتمل   ذهابه هناك قدر احتماله قدومه هنا   والنضج هو كل شيء(68).   والموت أمر يمكن التجاوز عنه ما دمنا قد حققنا أنفسنا. وشكسبير يؤيد أبيقور كذلك، ولا يسلم بتناقضات فاصلة بين اللذة والحكمة، ويرد على البيوريتانيين بشدة فيورد على لسان الخادمة ماريا قولها لمالفوليو: "اذهب وهز أذنيك(69)" أي "أنت جحش". وهو متسامح، مثل البابا، في خطايا الجسد، ويجري على لسان لير المجنون أنشودة مرحة صاخبة للاتصال الجنسي(70). أما فلسفته السياسية فتتسم بروح المحافظة. وأدرك آلام الفقراء، وجعل لير يرددها في إحساس عميق. ولحظ صياد سمك في "بركليز" (1609؟) أن الأسماك تعيش في البحر: مثلما يعيش الإنسان على الأرض- تأكل كبارها صغارها، ولا يمكن أن أقارن أغنيائنا البخلاء، مقارنة سليمة، ألا بالحوت، يلعب ويلهو ويسوق صغار السمك المسكين أماه، وفي النهاية يلتهمه دفعة واحدة، ولقد سمعت عن مثل هؤلاء الحيتان على الأرض، لا يفتئون يفغرون أفواههم حتى يبتلعوا الأبرشية بأسرها، والكنيسة، والبرج، والأجراس، وكل شيء(71)". ويحلم جنزالوا في "العاصفة" بشيوعية فوضوية "يكون فيها كل ما تنتجه الطبيعة ملكاً مشاعاً"، ولا يكون فيها قوانين ولا قضاة أو حكام ولا عمال   ولا حرب(72). ولكن شكسبير يهزأ بهذه "المدينة الفاضلة"- يوتوبيا- لأن طبيعة الإنسان تجعل من المستحيل قيامها. ولا بد، في ظل أي دستور، من أن تأكل الحيتان السمك. وماذا كانت ديانة شكسبير؟. إن البحث عن فلسفته في هذا المجال، بوجه خاص، شاق عسير. فهو من خلال أشخاص مسرحياته يعبر عن كل المعتقدات، في تسامح لا بد أنه كان يحمل البيوريتانيين على القول بأنه كافر. وكثيراً ما استشهد بالكتاب المقدس في إجلال وتقديس، وجعل هملت، المفروض أنه متشكك، يتحدث، عن الإيمان، عن الله والصلاة والسماء والجحيم(73). ولقد عمد شكسبير وأبناؤه وفقاً للطقوس الأنجليكانية(74). وبعض أبياته تنم على بروتستانتية قوية ويتحدث الملك جون عن "الغفران البابوي" على أنه "شعوذة وسحر". وكأنه يستبق هنري الثامن:   ... لن يفرض قسيس إيطالي   دفع العشور أو يقرع الناقوس في أرضنا،   ولكن، كما أننا نرفع الرأس عالياً تحت السماء،   فستكون لنا السيادة العظمى في وجود الله العلي العظيم،   حيث نملك ونحكم، ونثبت الملك وحدنا،   هكذا أنبئوا البابا، مع كل الاحترام   له ولسلطانه المغتصب(75).   على أن جون، بطبيعة الحال، يكر عن خطيئته، آخر الأمر. وثمة رواية بعد هذه، هي "هنري الثامن"، اشترك شكسبير في جزء منها فقط، تزودنا بصور مؤيدة لهنري وكرانمير (أسقف كنتربري)، وتنتهي بمديح إليزابث- وكلهم كبار مهندسي الإصلاح الديني في إنجلترا. وثمة مسحة كاثوليكية، مثلما جاء في تصوير كترين- أراجوان والراهب لورنس، بشكل فيه تعاطف(76)، ولكن الشخصية الأخيرة كانت قد جاءت إلى شكسبير، كما شكلت في أخبار الكاثوليك الإيطاليين.   وهناك بعض إيمان باق في الروايات المأساوية. ويظن الملك لير، من فرط ما يشعر به من مرارة: إننا بالنسبة للآلهة، مثل الذباب بالنسبة للأطفال الأشقياء يقتلونه من أجل اللهو واللعب(77). ولكن إدجار الطيب يرد على ذلك بقوله "ولكن الآلهة عدول، وإنهم ليتخذون من رذائلنا السارة أدوات لتعذيبنا(78)"، كما يؤكد هملت إيمانه "باله يشكل نهايتنا ويقطعها دون صقل كيف ما نشاء(79).." وعلى الرغم من الإيمان الذي يصطرع في النفوس، بعناية إلهية تتصرف معنا تصرفاً عادلاً، هناك في أعظم روايات شكسبير من عدم الإيمان بالحياة نفسها، فان جاك (أحد أتباع الدوق المطرود في رواية على هواك.) لا يرى في "العصور السابقة" للإنسان شيئاً إلا كان بطيء النمو سريع العطب. ونسمع مثل هذه "اللازمة" في رواية الملك جون:   الحياة مملة مثل حكاية تروى مرتين   فترهق الأذن الثقيلة لرجل نعسان(80).   وفي ذم هملت للدنيا:   تباً لها آه، تباً لها، إنها حديقة ملأى بالأعشاب الضارة.   التي تنمو وتتكاثر، وكل شيء يحدث ويكبر في الطبيعة،   نمتلكه فحسب(81).   وفي ماكبث:   إنطفئي، أيتها الذبالة القصيرة!   ليست الحياة إلا خيالاً عابراً،   أو هي أشبه بممثل مسكين يختال ويضيع وقته فوق المسرح،   ثم لا يعود يسمع له صوت، إنها حكاية   يرويها معتوه، تعج بالضجيج والعنف،   ولكنها لا تعني شيئاً(82).   وهل ثمة شيء من فكرة الخلود يخفف من حدة هذا التشاؤم؟ إن لورنزو- بعد أن وصف لجسيكا موسيقى النجوم، يضيف أن "مثل هذا التناغم أو الانسجام   موجودة في النفس الخالدة.(83). وتخيل كلوديو في رواية Measure For Measure حياة آخرة، ولكن بالشكل القائم في جحيم دانتي أو مثوى الموات:   آه ولكنا نموت، ونذهب إلى حيث لا ندري،   ونرقد في حفرة باردة بعيدين عن الأنظار، ونتعفن،   وتتحول الحركة الدائبة المحسوسة إلى كتلة من طين معجون،   وتستحم الروح المرحة في بحار من نار، أو تسكن   في صقع متماوج من جليد متراكم تراكماً كثيفاً   أو تسجن في الرياح غير المنظورة   التي تهب في عنف لا يهدأ حول   العالم المتدلي.... أن هذا شيء بالغ الرهبة(84).   وتحدث هملت عرضاً عن النفس، على أنها خالدة(85). ولكن مناجاته لا تؤكد أية عقيدة أو إيمان. وكلماته على فراش الموت في النسخة القديمة "فلتستقبل السماء نفسي"، غيرها شكسبير إلى أن الراحة هي السكون (الموت). ولسنا نستطيع أن نقول، على وجه التحقيق، كم من هذا التشاؤم، جاء نتيجة لمتطلبات المسرحية المأساوية. وكم منه كان يعبر عن حالة شكسبير النفسية، ولكن تكراره وتوكيده يوحيان بأنه- أي التشاؤم- عبر عن أحلك مراحل فلسفته. وإنما كان التخفيف الوحيد الذي جاء في الروايات التي توجت أعماله، كان اعترافاً حائراً متردداً بأنه يوجد هناك وسط رذائل هذه الدنيا نعم البركات ومباهج، كما يوجد وسط الأشرار الأوغاد كثير من الأبطال وبعض القديسين، فهناك إلى جانب ياجو وجدت ديدمونه، وإلى جانب جونريل وجدت كورديليا، وإلى جانب إدموند وجد أدجار أو كنت، وحتى في خملت، يهب نسيم عليل من وفاء هوراشيو، ومن رقة أوفيليا وحنانها الموسومين بالحزن والكآبة. وبعد أن يغادر الممثل والكاتب المسرحي المنهوك لندن بما فيها من فوضى ووحشية برغم الازدحام، إلى المروج الخضر والسلوى الأبوية في بيته في ستراتفورد، فلسوف يستعيد الحب الشديد للحياة لدى الإنسان.   أعلنت القرية الإلكترونية عن اطلاقها (أسبوع شكسبير) من 23 إلى 30 إبريل احتفاء ضمن برنامجها لنشر المعرفة وتسليط الضوء على الأدباء والمفكرين والشعراء الذين أثروا الحضارة الإنسانية وتاتي هذه المبادرة تزامنا مع ذكرى ميلاد شكسبير 23 إبريل 1564م، وسوف تنشر الصفحة مختارات عن شكسبير سيكون بينها مواد مسموعة ومرئية ومقروءة عن شكسبير منها ما كتبه ويل ديورانت في كتابه الشهير قصة الحضارة وهي مترجمة باللغة العربية ضمن مشروعاتنا الثقافية.   #محمد_أحمد_السويدي_أسبوع_شكسبير     , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

بعد موت الشاعر من كتاب قصة الحضارة لويل ديورانت
الرضا والقناعة من قصة الحضارة
براعة شكسبير الفنية
تفوق الشاعر
تطور الشاعر
وليم شكسبير - أيام الشباب - من قصة الحضارة
بعد موت الشاعر من كتاب قصة الحضارة لويل ديورانت