Arabic    

ساعي البريد - بورخيس في صِقِلِّية مع مُرشدٍ أعمى


2020-06-16
اعرض في فيس بوك
التصنيف : مختارات من المكتبة الخاصة

 
ساعي البريد
بورخيس في صِقِلِّية مع مُرشدٍ أعمى
بقلم: أليخاندرو لوك
ترجمها: أندرو إدواردز
ترجمة للعربية: سماح جعفر
 
يتمتع البحر المحيط هنا بشفافية كاريبية، تقطعه أسماك صغيرة ذات خطوط بنية لا تولي أي اهتمام لقرب البشر، يقترح إيفان أن نسبح إلى الجزيرة التي تبعد كيلومتر واحدًا تقريبًا. أنا أقبل دون تردد. نبدأ بالسباحة، ومع اتساع المسافة إلى الشاطئ، يكشف الجبل المتغطرس نفسه في الخلف، مترفًا، مليئًا بالألوان الخضراء المنعكسة في السحب المتغيرة التي تكشف عن جزء من الشمس.
تحت السطح يمكنني رؤية بعض أسماك المياه الضحلة وبقعًا وفيرة من النباتات تحت الماء والأحجار المصقولة الفاتحة والظلام وسلسلة من الأشكال الوردية غير الأنيقة التي تبدو مثل الأخطبوطات في البداية، لكن لا يمكن أن تكون أي شيء سوى قناديل البحر.
حالتي كمدخن كثير الجلوس أنهكتني في منتصف السباحة: أخشى أن رئتي لن تصمد حتى نصل إلى الجزيرة. ومع ذلك، أشعر بالسعادة وأنا مغمور في هذه المياه، يلفني هذا البحر التيراني بدقة، لا يوجد شيء أريده أقل من يقين الأرض. إذا كنت أرغب في تكريم بيتر غابرييل، فربما أبدأ في ابتلاع الماء وأطنطن يائسًا "لا تستسلم". قال لورانس دوريل، الذي كتب كتابًا طويلًا مستوحى من رحلته حول صقلية، إنَّ المياه هنا طعمها كالمحار والمحلول الملحي، أم أنها كالبحر؟ أنا الآن قلقٌ جدًا من سعادة لعب دور الساقي.
بعدها أبدأ بالتفكير في بورخيس وحبه غير المعروف للبحر، تلك الأبيات الحيوية منه تتبادر إلى الذهن كصوت تشجيع:
تذكر بورخيس صديقك، الذي يسبح فيك ...
وأنا أنظر خلفي، ليس فقط لإلقاء نظرة على كا ورو مثل نقطتين صغيرتين على مسافة بعيدة، ولكن أيضًا لأتذكر كم استمتعت بالبحر طوال فترة طفولتي، خلال فصل الصيف الذي لا ينتهي من تلك السنوات التي لا يمكن استرجاعها. مع مرور الوقت، يؤسفني أنني كبرت بعيدًا عن الماء، ويؤسفني أنني جففت.
لا أعرف كيف، لكننا وصلنا إلى الجزيرة الصغيرة. العشرات من الجروح الصغيرة في يدي من الحواف الحادة للأسماك الصدفية هي شهادة كبيرة. نظرًا لعدم وجود علامات "ممنوع" في مثل هذه التضاريس الوعرة، غمر إيفان الصخر بتيار عاجل من البول، ولم يكن هناك أحد لينتقد مثل هذا الترخيص المكاني. إنَّ التجول هنا يكفي لإرخاء أي عضلة عاصرة، مع جبل دي بوري من جهة، والحلقة المتآكلة الضخمة المنحوتة من بروز صخري من الجانب الآخر، مثل عين العملاق الذي يحدق في البحر المفتوح.
نعود إلى البنات، ونتناول الغداء المؤلف من البانيني ونغفو لفترة من الوقت. نعود إلى البحر مرة أخرى عندما تسير طيور النورس المتعجرفة والواثقة أمامنا جيئة وذهابًا، هذه المرة للوصول إلى خليج مجاور مليء بمزيد من السباحين، وبه بعض الأشكال الغريبة المنحوتة من الصخر، كشك لبيع المرطبات وكهف من العصر الحجري الحديث؛ ربما مركز صيد مهجور استعمره متنزهو اليوم.
في الطريق، يثبت البحر أنه مزعج إلى حد ما. تعاني كا من إصابة بواسطة قناديل البحر، والتي أنتجت طفحًا فوريًا على فخذها. البول هو الترياق الفوري، لكن من الذي يرغب في سكب قليل من حمض اليوريك على ساق صديقتنا؟ لقد تبول إيفان منذ قليل في الجزيرة؛ أنا ورو، من أجل تجنب الموقف المحرج، قررنا أن نسير وندعي عدم المبالاة.
لحسن الحظ، فهجمات قنديل البحر شائعة هنا. على الفور، وكتدبير مؤقت، قامت فتاة تجلس على منشفة بالقرب منا بسكب عصير من الصبار على فخذ كا. بعد فترة وجيزة، قدم لنا رواد الشاطئ الآخرون أكياس أمونيا؛ يبدو أنَّ الجميع يحمل واحدًا في حقيبته.
يقول إيفان بجدية، "كل نعيم له شياطينه".
لقد اكتشفنا أنَّ فيلم "ساعي البريد" قد تم تصويره في سالينا، على هذا الشاطئ في بولارا. وهو مستوحى من رواية أنطونيو سكارميتا، ويحكي قصة الصداقة بين ساعي البريد شبه الأمي والشاعر بابلو نيرودا، الذي استقر في البحر الأبيض المتوسط وعاش في هذا المنفى المريح. نعم، أتذكر الآن البطلين وهما يسيران على طول حافة هذا الخط الساحلي، ويستقران لمناقشة معنى الاستعارات. وكذلك الصيادون، الذين يدفعون قواربهم إلى الشاطئ عند الغسق نحو جزيرتنا - هي بالفعل جزيرتنا، وستظل دائمًا كذلك.
"يبدو المشهد من هنا غير حقيقي قليلًا؟" علقت رو.
"لم يكن باستطاعة ساعي البريد اجتياز هذا المكان بالصدفة، على طول هذا الشاطئ المنسي، ناهيك أن يفعلها على دراجته، ويحيي نيرودا وكأن شيئا لم يحدث".
"والسباحة في هذه المياه أيضًا"، قالت كا من بين أسنانها التي تصطك من شدة الألم.
يقاطعنا إيفان متهكمًا، "كفانا نيرودا، نحن هنا لأجل بورخيس، أفهمتم؟ ب-و-ر-خ-ي-س" ...
تقبلت هزيمتي، ولكنني أجبت أنه لا يزال هناك متسع من الوقت المتبقي، أو على الأقل آمل ذلك. غربت الشمس بسرعة وتوجب علينا الذهاب. خلال رحلة العودة ظللت أتصفح كتاب سيانا الأحمر الصغير، وأتساءل كيف يبدو كل مشهد الآن، وإذا كنت سأتمكن من جمعها جميعًا، دون استثناء، في دفتر ملاحظاتي.
فكرت أيضًا في الجزر؛ حول تنقل ناني موريتي من واحدة إلى الآخرى، لم يبدُ وكأنه مسافر يتنقل بل بدا وكأنه يفر من شيء لا نعلمه. بعض الأشياء في العزلة تجذبنا وتروعنا. وربما حقيقة أنَّ كل شيء، العظيم والمروع، تأتي من المصدر نفسه: البحر - اللغز الذي يوحد بقدر ما يفصل. ربما تكون جزر أكوليان حالة أكثر تطرفًا، نظرًا لأنها أرخبيل منفصل، يرتبط بدوره بجزيرة كبيرة - ليرسم العزلة البحتة.

  ساعي البريد بورخيس في صِقِلِّية مع مُرشدٍ أعمى بقلم: أليخاندرو لوك ترجمها: أندرو إدواردز ترجمة للعربية: سماح جعفر   يتمتع البحر المحيط هنا بشفافية كاريبية، تقطعه أسماك صغيرة ذات خطوط بنية لا تولي أي اهتمام لقرب البشر، يقترح إيفان أن نسبح إلى الجزيرة التي تبعد كيلومتر واحدًا تقريبًا. أنا أقبل دون تردد. نبدأ بالسباحة، ومع اتساع المسافة إلى الشاطئ، يكشف الجبل المتغطرس نفسه في الخلف، مترفًا، مليئًا بالألوان الخضراء المنعكسة في السحب المتغيرة التي تكشف عن جزء من الشمس. تحت السطح يمكنني رؤية بعض أسماك المياه الضحلة وبقعًا وفيرة من النباتات تحت الماء والأحجار المصقولة الفاتحة والظلام وسلسلة من الأشكال الوردية غير الأنيقة التي تبدو مثل الأخطبوطات في البداية، لكن لا يمكن أن تكون أي شيء سوى قناديل البحر. حالتي كمدخن كثير الجلوس أنهكتني في منتصف السباحة: أخشى أن رئتي لن تصمد حتى نصل إلى الجزيرة. ومع ذلك، أشعر بالسعادة وأنا مغمور في هذه المياه، يلفني هذا البحر التيراني بدقة، لا يوجد شيء أريده أقل من يقين الأرض. إذا كنت أرغب في تكريم بيتر غابرييل، فربما أبدأ في ابتلاع الماء وأطنطن يائسًا "لا تستسلم". قال لورانس دوريل، الذي كتب كتابًا طويلًا مستوحى من رحلته حول صقلية، إنَّ المياه هنا طعمها كالمحار والمحلول الملحي، أم أنها كالبحر؟ أنا الآن قلقٌ جدًا من سعادة لعب دور الساقي. بعدها أبدأ بالتفكير في بورخيس وحبه غير المعروف للبحر، تلك الأبيات الحيوية منه تتبادر إلى الذهن كصوت تشجيع: تذكر بورخيس صديقك، الذي يسبح فيك ... وأنا أنظر خلفي، ليس فقط لإلقاء نظرة على كا ورو مثل نقطتين صغيرتين على مسافة بعيدة، ولكن أيضًا لأتذكر كم استمتعت بالبحر طوال فترة طفولتي، خلال فصل الصيف الذي لا ينتهي من تلك السنوات التي لا يمكن استرجاعها. مع مرور الوقت، يؤسفني أنني كبرت بعيدًا عن الماء، ويؤسفني أنني جففت. لا أعرف كيف، لكننا وصلنا إلى الجزيرة الصغيرة. العشرات من الجروح الصغيرة في يدي من الحواف الحادة للأسماك الصدفية هي شهادة كبيرة. نظرًا لعدم وجود علامات "ممنوع" في مثل هذه التضاريس الوعرة، غمر إيفان الصخر بتيار عاجل من البول، ولم يكن هناك أحد لينتقد مثل هذا الترخيص المكاني. إنَّ التجول هنا يكفي لإرخاء أي عضلة عاصرة، مع جبل دي بوري من جهة، والحلقة المتآكلة الضخمة المنحوتة من بروز صخري من الجانب الآخر، مثل عين العملاق الذي يحدق في البحر المفتوح. نعود إلى البنات، ونتناول الغداء المؤلف من البانيني ونغفو لفترة من الوقت. نعود إلى البحر مرة أخرى عندما تسير طيور النورس المتعجرفة والواثقة أمامنا جيئة وذهابًا، هذه المرة للوصول إلى خليج مجاور مليء بمزيد من السباحين، وبه بعض الأشكال الغريبة المنحوتة من الصخر، كشك لبيع المرطبات وكهف من العصر الحجري الحديث؛ ربما مركز صيد مهجور استعمره متنزهو اليوم. في الطريق، يثبت البحر أنه مزعج إلى حد ما. تعاني كا من إصابة بواسطة قناديل البحر، والتي أنتجت طفحًا فوريًا على فخذها. البول هو الترياق الفوري، لكن من الذي يرغب في سكب قليل من حمض اليوريك على ساق صديقتنا؟ لقد تبول إيفان منذ قليل في الجزيرة؛ أنا ورو، من أجل تجنب الموقف المحرج، قررنا أن نسير وندعي عدم المبالاة. لحسن الحظ، فهجمات قنديل البحر شائعة هنا. على الفور، وكتدبير مؤقت، قامت فتاة تجلس على منشفة بالقرب منا بسكب عصير من الصبار على فخذ كا. بعد فترة وجيزة، قدم لنا رواد الشاطئ الآخرون أكياس أمونيا؛ يبدو أنَّ الجميع يحمل واحدًا في حقيبته. يقول إيفان بجدية، "كل نعيم له شياطينه". لقد اكتشفنا أنَّ فيلم "ساعي البريد" قد تم تصويره في سالينا، على هذا الشاطئ في بولارا. وهو مستوحى من رواية أنطونيو سكارميتا، ويحكي قصة الصداقة بين ساعي البريد شبه الأمي والشاعر بابلو نيرودا، الذي استقر في البحر الأبيض المتوسط وعاش في هذا المنفى المريح. نعم، أتذكر الآن البطلين وهما يسيران على طول حافة هذا الخط الساحلي، ويستقران لمناقشة معنى الاستعارات. وكذلك الصيادون، الذين يدفعون قواربهم إلى الشاطئ عند الغسق نحو جزيرتنا - هي بالفعل جزيرتنا، وستظل دائمًا كذلك. "يبدو المشهد من هنا غير حقيقي قليلًا؟" علقت رو. "لم يكن باستطاعة ساعي البريد اجتياز هذا المكان بالصدفة، على طول هذا الشاطئ المنسي، ناهيك أن يفعلها على دراجته، ويحيي نيرودا وكأن شيئا لم يحدث". "والسباحة في هذه المياه أيضًا"، قالت كا من بين أسنانها التي تصطك من شدة الألم. يقاطعنا إيفان متهكمًا، "كفانا نيرودا، نحن هنا لأجل بورخيس، أفهمتم؟ ب-و-ر-خ-ي-س" ... تقبلت هزيمتي، ولكنني أجبت أنه لا يزال هناك متسع من الوقت المتبقي، أو على الأقل آمل ذلك. غربت الشمس بسرعة وتوجب علينا الذهاب. خلال رحلة العودة ظللت أتصفح كتاب سيانا الأحمر الصغير، وأتساءل كيف يبدو كل مشهد الآن، وإذا كنت سأتمكن من جمعها جميعًا، دون استثناء، في دفتر ملاحظاتي. فكرت أيضًا في الجزر؛ حول تنقل ناني موريتي من واحدة إلى الآخرى، لم يبدُ وكأنه مسافر يتنقل بل بدا وكأنه يفر من شيء لا نعلمه. بعض الأشياء في العزلة تجذبنا وتروعنا. وربما حقيقة أنَّ كل شيء، العظيم والمروع، تأتي من المصدر نفسه: البحر - اللغز الذي يوحد بقدر ما يفصل. ربما تكون جزر أكوليان حالة أكثر تطرفًا، نظرًا لأنها أرخبيل منفصل، يرتبط بدوره بجزيرة كبيرة - ليرسم العزلة البحتة. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

يدا بورخيس
أنا وبورخيس - قصّة قصيرة
سالينا - بورخيس في صِقِلِّية مع مُرشدٍ أعمى
مسينا - بورخيس في صِقِلِّية مع مُرشدٍ أعمى
يدا بورخيس
أنا وبورخيس - قصّة قصيرة
ساعي البريد - بورخيس في صِقِلِّية مع مُرشدٍ أعمى