HIS EXCELLENCY MOHAMMED AHMED KHALIFA AL SUWAIDI - ELECTRONIC VILLAGE - Spreading Knowledge
Arabic    

ألسنة الماء وقهوة وهران


2017-09-05
اعرض في فيس بوك
Category : all

 
 
"ألسنة الماء وقهوة وهران"
|| #محمد_أحمد_السويدي || #مقالات || #رحلة_إلى_الجزائر
في يوم 12 فبراير أقلّتنا الطائرة إلى وهران في رحلة استغرقت نحو 35 دقيقة.
ومدينة هران التي تنطق محليّا: "وهرن" تلقّب بــالباهية، وهي ثاني أكبر مدن الجزائر بعد العاصمة، تقع في شمال غرب الجزائر على بعد 432 كيلومترا عن الجزائر العاصمة. تطلّ على خليج وهران في غرب البحر الأبيض المتوسط.
ومنذ عقود وهي تعتبر مركزا اقتصاديا وميناءً بحريًا هامًا. 
تقاطر على المدينة ومنذ أزمان مبكرة كثير من الحضارات لأسباب متنوعة فتقلب حكمها بين سلالات حاكمة محلية من بربر وعرب وبين محتلين إسبان وفرنسيين وأتراك عثمانيين. وضع كل منهم بصمته لتزّين به المدينة فسيفساءها التراثي والثقافي.
ومن المرجح أن يكون اسم وهران من أصل بربري نسبة إلى واد الهاران وهي أسود كانت تعيش في المنطقة 
أما قديما فلقد كانت تُعرف باسم إيفري وتعني باللغة الأمازيغية: الـكهف
بسبب كثرة الكهوف في التلال المحيطة بالمدينة.
ونحن في الطائرة ميممين شطر وهران كانت الأجواء تضطرب برياح ومطبّات هوائية شديدة، بيد أن الطيّار الجزائري، كان بارعا كالعادة، ليحطّ بطائرته على مدرج المطار كنورس يحطّ على الماء.
استقبلنا والي وهران عبد الغاني زعلان، وجاذبه الأخ مازن مصطفى الحديث قائلا: لكل أمرئ من اسمه نصيب، فهل مازلت زعلانا؟
تبسّم الوالي لملاطفة الأخ مازن وأكد أنه زعله تبدّل سرورا بلقائنا.
يتحدّر الوالي من منطقة سوق اغراس، وكان من قبل واليا على بشار ولقد صادفت ولايته التي استغرقت ثلاث سنوات على بشار زيارتين قمنا بهما
مال الوزير بو غازي نحوي وقال: لو كنت متمرّسا بلهجات الجزائر لأدركت من أين يتحدّر عبد الغاني، ففي كلامه لكنة تدل على أنه من سوق اغراس.
وعندما عرف أنني أولي شعر المتنبي وعصره عنايتي وكنا في الطريق إلى الفندق قال أنه من المعجبين بالمتنبي، ثم ذكر قوله:
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم
ثم ذكر قصة لقاء المعتمد بن عباد باعتماد على ضفة نهر، وحنين اعتماد الى أن تخوّض في الطين عندما رأت مجموعة من القرويات وهن يمشين فيه فعمد المعتمد تخليط المسك بالطيب لتمشي عليه.
ثم ذكر قصة المعتمد وصاحبه وهما يتناشدان الشعر على جانب النهر، فأنشد المعتمد بيتا وسأل صاحبه أن يجزه فتلكأ، فأجازته اعتماد على ضفّة النهر وكان أول عهده بها.
فقلت للوالي، اسم صاحبه محمد بن عمار، أما البيت الذي قاله المعتمد فكان:
نسج الريح على النهر زرد
فأجازته اعتماد من الضفة الاخرى للنهر بقولها:
أي درع لجواد إذا جمد
ثم اردفت أنني ذهبت إلى "شلب" في جنوب البرتغال لتقصي الحكاية، ولقد سبق لي وأن ضمّنتها بحثا سابقا.
ثم ذكرنا الكرم، فقال أنه يعجبه قول الشاعر في رجل:
لا يقول لا إلا في تشهّده
فقلت له إنه شطر من بيت يعود إلى قصيدة قالها الفرزدق في علي بن الحسين الملقب بزين العابدين عندما قدم هشام بن عبد الملك للحج برفقة حاشيته وبصحبته الشاعر الفرزدق، وكان الحجيج في ذلك العام من الكثرة بحيث بدوا وكأنهم جسد واحد مشدود إلى بعضه من فرط التحامهم وحاول هشام أن يبلغ البيت، فلم يفسح له أحد مجالا للطواف فجلب له متكأ بانتظار أن تسنح الفرصة، وعندما قدم علي ابن الحسين زين العابدين انشقت له الصفوف حتى أدرك الحجر الأسود.
فسأله بعض حاشيته عن الرجل، فأنكر معرفته فقال الفرزدق في ذلك:
يا سائلي أيـــن حل الجود والكرم عــنـــدي بـــــيان إذا طــــلابه قدموا
هذا الذي تعـــرف البطحاء وطأته والبــيت يعــرفه والحــل والحـــــرم
‏هــذا ابــن خــــير عــباد الله كلهم هــــذا التــــقي النــقي الطاهر العلم‏
هــــذا الـــذي أحمد المختار والده صلى عــــليه إلهـــي ما جرى القلم
‏لو يعــلم الركن من قد جاء يلثمه لخر يلثــــم منــــه مـوطــئ الـــــقدم‏
ثم قلت له، أما المتنبي فله في الكرم:
ولو يَمّمْتَهُمْ في الحَشْرِ تجدو لأعطَوْكَ الذي صَلّوا وصامُوا
ثم أضفت في الغرض ذاته قول الشاعر:
لمست بكفي كفه أبتغى الغنى ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي
فاستحسن الحضور الأمر وأعجبوا به، وسأل الأخ مازن عن القائل
فقلت له إنه بشار بن برد، الضرير البصري الذي تحاشى لسانه السليط الشعراء والأمراء حتى قاده إلى التهلكة.
تابعت قراءة أبيات في الكرم ودقائق مخارج الشعراء فيه واخترت لأبي تمام قوله:
ولو لم يكنْ في كفِهِ غيرُ روحِهِ لجادَ بها، فليتقِ اللهَ سائلُهْ
عطاءٌ لو اسطاعَ الذي يستميحُهُ لأصبَحَ مِنْ بَيْن الوَرَى وَهْوَ عَاذِلُهْ
ثم تذاكرنا شعر أبي الطيب وأحواله وعصره الذي يُعد من اكثر عصور العربية إزدهارا من جانب وانفراطا في العقل السياسي العربي من جانبٍ آخر ولقد بحثت الامر بتمعّن في كتابي يوميات دير العاقول ونشرت أجزاء منه في عدة أماكن.
في الطريق إلى الفندق شاهدت مجموعة من المباني المرمّمة وكانت من طرز مختلفة بسبب أن المدينة تعاقبت عليها عدة حضارات شرقية وغربية وتركت تأثيرات جمة على المستوى المعماري وهو الأمر الذي كان بوسعي ملاحظته عن كثب وبوضوح.
بلغنا فندق الرويال هوتيل والذي يعد من الأبنية القديمة التي قام المستثمر الجيلالي بتحديثه وتحويله إلى فندق رائع من خمس نجوم.
وبعد وجبة خفيفة مكثنا في الفندق للإستراحة وفي الساعة الرابعة توجهنا إلى كنيسة سانتا كروز (الصليب المقدّس) رفقة الوالي فاستقبلنا قسّ فرنسي.
أما كنيسة سانتا كروز أو دير سانتا كروز فلقد شيّدت بوهران فوق جبل مرجاجو وأخذا اسمها من حصن سانتا كروز الذي شيّده الأسبان بين عامي 1577 -1604 وتقع الكنيسة تحت الحصن الذي حافظ على قوامه وهيئته بسبب ارتفاعه.
شيدت الكنيسة في عام 1850 بعد جائحة الكوليرا عام 1849 ثم وسّعت بعد ذلك وتم تثبيت تمثال العذراء على البرج في عام 1873. ويُعرف بين الناس باسم عذراء وهران وهو يجتذب العديد من المؤمنين المسيحيين والسواح بسبب دوره التشفعي منذ الوباء.
كان الوالي يتحدث عن المشاريع المنجزة أو تلك التي ما زالت قيد الإنجاز، وقال: لم يكن في وهران إلى ما قبل عدة سنوات فندقا مقبولا، أما الآن فهناك عدة فنادق من ذات الخمس نجوم، أما فندق الرويال هوتيل الذي نزلنا فيه فيملكه مستثمر يُدعى جيلالي مهري وهو من وادي سوف ويُطلق على أهل الوادي: السوافيّة.
وتحدّث عن المشاريع القائمة ومنها نفق هائل سيكون دوره كبيرا في تخفيف الإختناقات المرورية، كما تناول في حديثه مشروع توسعة المطار ومجموعة فنادق قيد الإنجاز.
في المطار ونحن نعتزم العودة تلقيت من الوالي هدية وكانت عبارة عن صندوق بداخله مصحفا وسجادة وهرانية.
فصافحته وقلت له متمثلا بقول صقر قريش عبد الرحمن الداخل:
أيها الراكب الميمم أرضي أقري من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرض وفؤادي ومالكيه بأرض
قُدر البين بيننا فافترقنا وطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الله بالفراق علينا فعسى باجتماعنا سوف يقضي
وقبل أن نستقل الطائرة ردّدتُ وأنا أشدّ على يديه قول أبي تمام:
لاتَبْعَدَنْ أَبَداً ولا تَبْعُدْ فما أخلاقك الخضرُ الربا بأباعدِ
إنْ يكدِ مطرفُ الإخاءَ فإننا نغْدُو وَنَسْري في إِخَاءٍ تَالدِ
أوْ يختلفْ ماءُ الوصالِ فماؤنا عذبٌ تحدرَ من غمامٍ واحدِ
أو يفْتَرقْ نَسَبٌ يُؤَلف بَيْننا أدبٌ أقمناهُ مقامَ الوالدِ
وللحديث بقيّة